فهرس الكتاب

الصفحة 726 من 743

ومهما يكن من شيء: فقد اختلف العلماء في المقصود بإخراجهم, وهي مسألة فيها اجتهاد وخلاف معروف, ومن تمسك برأي سابق للأئمة لا يجوز الطعن عليه, فضلًا عن نقض العهد برأي آخر، وإلا لسقطت كثير من العقود في المعاملات والعقود بين المسلمين أنفسهم, لوجود من يقول ببطلان أو فساد هذا العقد أو ذاك، ومعلوم أن مسائل العقود والعهود فيها نزاع كثير معروف في كلام الفقهاء.

وغاية ما في دخول المشركين جزيرة العرب أنه محرم وكبيرة, والصواب أنه لو عقد السلطان لهم نفذ العقد في حق المسلمين, ووجب عليهم الوفاء, وإن كان العقد فيه مخالفة شرعية.

وأما القول بأنه فاسد ولغو لا حرمة له, ويسوغ هتكه لآحاد المسلمين, أو من اختص منهم برأي واجتهاد؛ فهذا قول منكر, لم يقله أحد من المعتبرين في العلماء.

والمقصود أن هذا الحديث فيه مسائل خلاف واجتهاد, فليس يعد موجبًا لقاطع بمثل هذا العمل ولهذا لم يستعمل هذا الفهم أحد في تاريخ المسلمين.

نقض الاعتراضات:

الوجه الأوَّل من جواب الإسلايوميين، ادّعوا فيه دعويَين: أنَّه لا يدلُّ على جواز قتل المشركين، وأنَّّه لا يدلُّ على انتقاض عهودهم.

ونحن نقول: بل كذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه، فالمشركون الأصل هدر دمائهم وقتلهم وقتالهم، ولا تُعصم دماؤهم بغير العهد، فإن دلَّ الحديثُ على انتقاض العهد دلَّ على جواز القتل فهي مسألة واحدةٌ.

ودلالته على انتقاض العهد من أظهر الدلالات، فإنَّ الأمر بإخراجهم يقتضي الوجوبَ، ومعاهدتهم إن خالفت هذا الواجبَ كانت لاغيةً باطلةً فاسدة الاعتبار.

على أنَّ الحديث دالٌّ بمنطوقه بظهورٍ على الأمر بقتلهم، لأنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلَّم أمر بإخراجهم، وإخراجهم إن كان بالإنذار حسنٌ، وإن لم يكن إلاَّ بالقتال فهو مما لا يكون الواجب إلاَّ به مع دخوله في إطلاق الأمر، ومن ادّعى أنَّ المنطوق لا يتناول هذا، فكيف جعل لنفسه أن يفسّر الإخراج بالإنذار ويجعله من دلالة الحديث نفسه؟ والحديث أمر بالإخراج ولم يتعرّض لوسيلة ذلك.

ومقتضى كلام الإسلايوميِّين، أنَّ اليهود الذين أخرجهم عمر لو امتنعوا عن الخروج، ما جاز له قتالُهُم لغرض إخراجهم، وإن قاتلهم لم يكُن ذلك داخلًا في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجهم لا بمنطوقه ولا بمفهومه!

وأمَّا قولهم: "ولم يقل أحد من أهل العلم بذلك" فقد قال بكر أبو زيدٍ عضو اللجنة الدائمة وعضو هيئة كبار العلماء: "فهذه الأحاديث في الصحاح نص ٌ على أن الأصل شرعا منع ُ أي ِّ كافر ٍ ـ مهما كان دينه أو صفته ـ من الاستيطان والقرار في جزيرة العرب, وأن هذا الحكم من آخر ماعَهَده ُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أمته.

وبناء ً على ذلك:

1 ـ فليس لكافر دخول جزيرة العرب للاستيطان بها.

2 ـ وليس للإمام عقد الذمة لكافر، بشرط الإقامة لكافر بها، فإن عقده, فهو باطل.

7 ـ ولأنه لايجوز إقرار ساكن وهو على الكفر, فإن وُجد َ بها كفار ٌ, فلايقبل ُ منهم إلا الإسلام ُ أو السيف" وقد نقل في كتابه من النُّقول ما يفيدُ الإسلايوميِّين إن كان الحقُّ مطلوبَهُم.

وأمَّا قولهم: وغاية ما فيه الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وهو أمر موكولٌ إلى الإمام وإن كان فاجرًا، ففيه حقٌّ وباطلٌ.

فأمَّا إخراجهم بعد أن كانوا مقَرِّين بالشَّرعِ، وكان دخولهم غير محرَّمٍ، فموكولٌ إلى الإمام ولو كان فاجرًا، وله أن يؤخِّر إخراجهم لمصلحة الإسلام، ما لم يكن تركه لهم خيانةً للدين، وتولِّيًا للكافرين، وإعانةً لهم على المسلمين، فلا سمع له في ذلك ولا طاعةَ ولو فرض أنَّه لم يكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت