فهرس الكتاب

الصفحة 727 من 743

وأمَّا إدخالهم بعد النَّهي والتحريم الشَّرعيِّ، فلا يجوز لوليِّ أمرٍ صالحٍ ولا فاجرٍ، ولا يسوغ بحالٍ، بل هو منكرٌ من أصله يجب إزالته على الفور، وفرقٌ بين استدامة الشيء وابتدائه، وبين ما كان مشروعًا أصله ثمَّ طرأ عليه التحريم، وما كان محرّمًا وفُعل معصيةً.

وأمَّا بقاء الأمان حتّى بعد بطلانه، فقد لبّسوا بما استدلُّوا به من كلام الإمام أحمد، وإعطاؤهم الأمان له حالان:

أن يكون جائزًا للمسلمين، صحيحًا منهم متى وقعَ، فحينئذٍ يُقال: إن فهموا الأمان فهو أمان، ويُصحَّح الأمان الذي أُعطوهُ.

والحال الثانية أن يكون محرّمًا على المسلمين، غير صحيح لو أوقعوه، فهذا لا يصحّح ولو نوينا الأمان حقيقةً، وإن كانت دماؤهم لا تهدر بل تبقى لهم شبهة الأمان التي تزول بالإنذار.

ثمَّ استدلُّوا في الوجه الثَّاني من جوابِهِم بخلاف العلماء في تحديد الجزيرة، والمردُّ في النِّزاع إلى الدليل لا إلى النِّزاع نفسه، فإن أرادوا بذكرهم الخلافَ الردّ على من قال إنَّ الجزيرة تشمل الحجاز وغيره، فالمسألة مستوفاةٌ في موضعٍ آخر، وممن كتب فيها حمود العقلا وبكر أبو زيد، وأوجز ما تُقرَّر به بيان أنَّ اسم الجزيرة مطابقٌ لهذه الأرض التي يدخل فيها الحجاز ونجد واليمن وهجر والبحرين، والتي يحيط بها الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب، وبعضهم ذكر دجلة من شماليِّها، كما أنَّ هذه البلاد هي مساكن العرب في الجاهليَّة حتّى لم يسكنوا غيرها ولم يسكنها غيرهم، إلاَّ من نزح منهم إلى العراق والشَّام، فهذه البلاد هي الجزيرة وهي بلاد العرب، فصحَّ أنَّها جزيرة العرب، وأكثر أهل اللغة على هذا، وأمَّا من خصَّها بالحجاز فجمعًا بين أدلَّة إخراج المشركين، وبقاء بعضهم، ويُجاب عنه بأنَّ بعض من بقي كان في الحجاز أيضًا، وبقاؤهم لأنَّ وجوب إخراجهم عارضته فروضٌ أخرى زاحمته، فلمَّا أمكن لم يؤجّلوا، والمسألةُ بعد محلُّ اجتهادٍ.

وإن قصدوا اعتبار اجتهاد المجتهدين في المسألة، وعدم الإنكار على حاكمٍ أخذ بأحد القولين، فكلامهم حقٌّ لو كان المجاهدون يستندون إلى هذا وحده، ولو لم يكن في وجود الصليبيين اليوم في جزيرة العرب إلاَّ هذا، لأنكرنا والله كل عمليَّةٍ ضدَّهم وإن كان الصحيح عندنا عدم العهد، اعتبارًا لاجتهادِ من يجعل الجزيرةَ الحجازَ وحدهُ، ولعدم وجود إمامٍ يُلزم المخالفون بحكمه في ترجيح أحد القولين، ولكنّ الحال أنَّ وجود الصليبيِّين في الجزيرة لو كان في غيرها من بلاد المسلمين كان منكرًا، واحتلالًا واجبًا دفعه وإخراجهم كما قدّمنا في السؤال الأول، فكيف وقد اجتمع إليه اعتقادنا رجحان تحريم الجزيرة عليهم، وأنّهم بدخولهم في الصورة التي دخلوا فيها خرجوا من محلِّ النِّزاع، وصار جهادهم واجبًا بالاتّفاق، وأنَّ الجزيرة إن كانت محرمة الدخول على أفرادهم، فهي أشدُّ حرمةً وأعظمُ شأنًا في الصورة التي دخلوها فيها محتلِّين، والتي لم تقع في تاريخ الإسلام قطُّ؟

وحملوا الحديث في الوجه الثالث على الإقامة والاستيطان فيحرمان دون العمل والاستئجار، والجواب من وجوه:

الأوَّل: أنَّ وجود الصليبيين اليوم وجود استيطانٍ، وإن لم يكن لأفرادهم، فإنَّ مجموعهم مقيمون والأفراد يتبدّلون فهم كجيشٍ مقيمٍ لا تذهب سرية منه حتّى تخلفها سريَّةٌ، والعقود التي اقتضت بقاءهم عقود مؤبَّدةٌ.

الثاني: أنَّ ما استدلُّوا به من النصوصِ هو في كفَّار موجودين أصلًا، يُقرُّون لحاجة المسلمين، وهذا يختلف عن إدخالهم ابتداءً، وفرقٌ بين تأجيل العمل بوصيَّة النبي صلى الله عليه وسلم، والعمل بضدِّها، ومشاقّته وردّ أمره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت