فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 743

في أواخر عهد الاستعمار، لم تعد الدول الاستعماريَّة قادرةً على تحمّل الضَّربات الموجعة التي تتلقّاها من المجاهدين في البلاد المستعمَرَة، وأدركت بوضوح اتّجاه الأجيال الجديدة إلى مقاومة الاستعمار، فوجدت نفسها بين الدافع القوي الذي لن تتنازل عنه لاستعمار البلاد، والرادع المؤلم من الجهاد الذي تراه يتنامى كلّ يوم.

في هذه المرحلة تدخّلت الصهيونيَّة ووضعت لمساتها على استعمارٍ يضمن للمستعمِرِينَ مصالحهم، ويخلّصهم من الورطة التي وقعوا فيها، فقنّعت الاستعمار بطريقة ساذجة للغاية، ولكنّها تروج على السُّذَّج، فلم تتغيّر مخطّطات الاستعمار ولا تعثّرت خطاه، وإنَّما غيّرت الوجه الذي يقود مسيرتها الاستعماريَّة، فما المانع من أن تستجيب لرغبة المقاومين، وتنحّي عنهم العين الزرقاء والشعر الأشقر، وتضع بدلًا منها "أناسًا من بني جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب"؟

ما المانع من أن تستبدل اسم جون، ونابليون: بمحمد وأنور وعبد العزيز؟

الحقيقة أنَّ تقادم تلك الفترة، وامّحاءها من أذهان الأجيال التي تمسك بأعنَّة الحياة اليوم، جعلهم يحتاجون إلى إعادة عمليَّة تقنيع الاستعمار أمام أعينهم ليتصوّروا ما وقع بالأمس، وهذا بالضبط هو ما حدث في أفغانستان حين احتلّتها أمريكا، ووضعت فيها عميلًا من الأفغان أنفسهم "حامد كرزاي"، وهذا العميل كما يرى الجميع أحرص على مصالح أمريكا من أمريكا نفسها، وإن كان أقلَّ نجاحًا لما سلّط الله على حكومته الخديجة من هجمات المجاهدين."

إنَّ نظام الكرزايات هو النظام المعمول به رسميًّا في جميع دول المسلمين، وإنّ الطريقة الكرزاويَّة هي الطريقة التي نُصِّب بها جميع الحكّام مع اختلاف في بعض التفاصيل، وإنَّ شرعيَّة كلِّ كرزايٍ من هؤلاء الكرزايات لا تختلف بشيءٍ عن أخيه، ليس هناك فرق بين كرزاي اليمن، وكرزاي باكستان، وكرزاي الأردن، وكرزاي قطر، وكرزاي الكويت، وكرزاي مصر إلى آخر القائمة الطويلة من الخونة المتسلّطين على بلاد المسلمين.

حكَّام الحرمين لا يختلفون بشيءٍ من التفاصيل المذكورةِ عن غيرهم، وإن كانت الأقنعة التي ألبسوها محكمةً بحيثُ خفيت على كثيرين، إلاَّ أنَّ تسارع الأحداثِ وتتابع الضغوط جعل المواقف تتّضح أكثرَ، والفسطاطين يتمايزان، وتلفَّظ الطواغيتُ بما كانوا ينفونه بالأمس وأعلنوا ما كان خافيًا مكتومًا.

ففي وقتٍ مضى كان سلطان ينفي وجود قواتٍ أجنبيَّة على أرض الحرمين، وكان من الناس من يُصدّقه!

واليوم اعترفوا بوضوح بعد أن وجدوا الأنظار تركّزت على القواعد الصليبيَّة في الخرج وغيرها، لتسلّمها مهامّ قيادة الحرب الصليبيَّة على أفغانستان، ثمَّ بشكل أوضح على العراق فما عادوا يستطيعون المغالطة بنفي الوجود الأمريكي.

وفي وقتٍ مضى كانوا ينفون بقوَّةٍ عمالتَهم لأمريكا، ويؤكّدون أنَّ تحالفهم معها هو تحالف مصالحٍ متبادلةٍ لا أكثر، وعندما زادت الضغوط الأمريكيَّة انبرى بندر بن سلطان، والمذكور الفيصل في سباقٍ محمومٍ للاعتراف بقدرٍ من المخازي لم يسبق في التاريخ قطّ!

فإذا ذكر هذا تسخيرهم الأرض وثرواتها لأمريكا، أعلن ذاك أنَّهم انتزعوا تعليم البنات من الإدارة الدينيَّة إرضاءً لأمريكا، وإذا سخر هذا بكلّ من جاهد في سبيل الله، تفاخر ذاك بالتيّار العلمانيٍّ في القيادة السعوديَّة.

هذا في الأقوال أمَّا في الأعمال فحدّث ولا حرج، فما خرجت طائرات الحملة الصليبيَّة إلا من بلاد الحرمين، ولا تزوّدت الوقود إلا من قواعد بلاد الحرمين، ولا كانت القيادة العليا للحرب إلاَّ في قاعدة سلطان ببلاد الحرمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت