[٣٠١] * قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «قَدْ كُنْتُ أَمْكُثُ فِي السِّجْنِ⁽١⁾⁽٢⁾ يَوْمَيْنِ لَا أَشْرَبُ المَاءَ».
[٣٠٢] * وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - وَنَحْنُ بِالعَسْكَرِ⁽٣⁾ -: «أَلَا تَعْجَبُ! كَانَ قُوتِي فِيمَا مَضَى أَرْبَعَةَ أَرْغِفَةٍ، أَوْ نَحْوُ⁽٤⁾ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَقَدْ ذَهَبَ عَنِّي شَهْوَةُ الطَّعَامِ، فَمَا اشْتَهَيْتُهُ، قَدْ كُنْتُ فِي السِّجْنِ آكُلُ، وَذَاكَ عِنْدِي زِيَادَةٌ فِي إِيمَانِي، وَهَذَا نُقْصَانٌ. أَخَافُ أَنْ أُفْتَنَ بِالدُّنْيَا، لَقَدْ تَفَكَّرْتُ البَارِحَةَ، فَقُلْتُ: هَذِهِ مِحْنَتَانِ؛ امْتُحِنْتُ بِالدِّينِ، وَهَذِهِ مِحْنَةُ الدُّنْيَا».
[٣٠٣] * وَقَالَ لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - وَنَحْنُ يَوْمًا بِالعَسْكَرِ -: «لِي اليَوْمَ⁽٥⁾ ثَمَانٍ مُنْذُ⁽٦⁾ لَمْ آكُلْ شَيْئًا، وَلَمْ أَشْرَبْ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ سَوِيقٍ».
[٣٠٤] * وَكَانَ يَمْكُثُ ثَلَاثًا لَا يَطْعَمُ - وَأَنَا مَعَهُ - ، فَإِذَا كَانَ لَيْلَةُ الرَّابِعَةِ أَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْرَ نِصْفِ رُبْعِ سَوِيقٍ، فَرُبَّمَا شَرِبَهُ، وَرُبَّمَا تَرَكَ بَعْضَهُ، فَمَكَثَ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، لَمْ يَطْعَمْ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ رُبْعَيْنِ سَوِيقًا.
[٣٠٥] * وَكَانَ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَغُمُّهُ؛ [لَمْ] ⁽٧⁾ يُفْطِرْ وَوَاصَلَ، إِلَّا شَرْبَةَ مَاءٍ.
[٣٠٦] * وَانْتَبَهْتُ لَيْلَةً - وَقَدْ كَانَ وَاصَلَ - فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «هُوَ ذَا يُدَارُ بِي مِنَ الجُوعِ! أَطْعِمْنِي شَيْئًا» فَجِئْتُهُ بِأَقَلَّ مِنْ رَغِيفٍ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ العَوْنَ عَلَى نَفْسِي مَا أَكَلْتُ».
--------------------
(١) في «القُوت» : (الحبس) .
(٢) يقصد أبو عبد الله رضي الله عنه السِّجن الذي حُبس فيه بعد هلاك المأمون إلى أن طلبه المُعتصم.
(٣) هو موضعٌ بسامراء، التي قد بناها المعتصمُ لمَّا كثر عسكرهُ، وضاقت عليه بغداد سنة ٢٢١ هـ.
(٤) في «م» : (نحوًا) . (٥) زيادة في «ظ» : (لي) . (٦) زيادة في «م» : (كذا) .
(٧) في النُّسخ: (ولم) ، والتَّصويب من «المناقب» ، أو تكون العبارة: (أمر؛ يغمه ولم يفطر...) ولعل النَّاسخ قد ظنَّ الضَّمَّة واوا.