فَقُلْتُ: أَسْأَلُ عَنْهَا مَشَايِخَ عَبْدِ اللَّهِ؛ الَّذِينَ هُمْ بِالحِجَازِ وَالعِرَاقِ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنْ لَيْسَ يَجْتَرِئُ أَحَدٌ أَنْ يُخَالِفَ أَبَا حَنِيفَةَ. فَلَمَّا قَدِمْتُ البَصْرَةَ، جَلَسْتُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ⁽١⁾، فَقَالَ لِي: «مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟» فَقُلْتُ: مِنْ أَهْلِ مَرْوٍ. قَالَ: فَتَرَحَّمَ عَلَى ابْنِ المُبَارَكِ، وَكَانَ شَدِيدَ الحُبِّ لَهُ. فَقَالَ: «هَلْ مَعَكَ مَرْثِيَّةٌ رُثِيَ بِهَا عَبْدُ اللَّهِ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَنْشَدْتُهُ قَوْلَ أَبِي تَمِيلَةَ؛ يَحْيَى بْنِ وَاضِحٍ الأَنْصَارِيِّ: طَرَقَ النَّاعِيَانِ إِذْ نَبَّهَانِي بِقَطِيعٍ مِنْ قَادِحِ الحَدَثَانِ قُلْتُ لِلنَّاعِيَاتِ: مَنْ تَنْعِيَانِ؟ قَالَا: أَبَا عَبْدِ رَبِّنَا الرَّحْمَانِ فَأَثَارَ الَّذِي أَتَانِي حُزْنًا⁽٢⁾ وَفُؤَادُ المُصَابِ ذُو أَحْزَانِ ثُمَّ فَاضَتْ عَيْنَايَ وَجْدًا وَشَجْوًا بِدُمُوعٍ تَحَادُرُ⁽٣⁾ الهَطَلَانِ فَلَئِنْ كَانَتِ القُلُوبُ تَبْكِي لِقُلُوبِ الثِّقَاتِ مِنْ إِخْوَانِ قَدْ تَبْكِيهِ بِالدِّمَاءِ وَفِي الأَجْـ ـوَافِ لَذْعٌ كَحُرْقَةِ النِّيرَانِ لِتَقِيٍّ مَضَى فَرِيدًا حَمِيدًا مَا لَهُ فِي الرِّجَالِ إِنْ عُدَّ ثَانِ يَا خَلِيلِي يَا ابْنَ المُبَارَكِ عَبْدَ الـ ـلَّهِ خَلَّيْتَنَا لِهَذَا الزَّمَانِ حِينَ وَدَّعْتَنَا فَأَصْبَحْتَ مَحْمُو دًا حَلِيفَ الحَنُوطِ وَالأَكْفَانِ قَدَّسَ اللَّهُ مَضْجَعًا أَنْتَ فِيهِ وَتَلَقَّاكَ فِيهِ بِالرِّضْوَانِ
--------------------
(١) تقدم التعريف به ص (١٤٩) هـ (٦) .
(٢) في «أخبار الشيوخ» : (حزني) .
(٣) في «أخبار الشيوخ» : (يحادر) .