فالعبادة -كما هو واضح بالبداهة- سلوك واقعي، وليست مجرد مشاعر أو اعتقادات .. سلوك مبني على المشاعر، ومنبثق عن الاعتقاد.
والإخلاص المطلوب في العبادة هو براءة هذه العبادة من الشرك، وتلك هي حقيقة التوحيد، وهو أمر لازم لا للارتقاء في مراتب الكمالات، بل لحصول الإيمان بادئ ذي بدء؛ أما الارتقاء في مراتب الكمالات بعد ذلك فله مجالات أخرى وهي التي ورد فيها الندب والتحبيب، لا الأمر والإلزام.
فما العبادة المطلوبة من العباد، وما كيفية البراءة من الشرك؟
العبادة كما بينها الله في كتابه المنزل تشمل أمورًا ثلاثة:
-الاعتقاد الجازم بأن الله واحد في ذاته وفي أسمائه وصفاته.
-والتوجّه إليه وحده بالشعائر التعبدية التي افترضها على عباده.
-والالتزام بما أنزل الله من التحليل والتحريم والتحسين والتقبيح والإباحة والمنع.
وأيما أمر اختل من هذه الثلاثة فهو ناقض للتوحيد ومُدْخِل في الشرك الذي يخرج الناس من الإسلام، مع اعتبار معين في هذا الشأن هو أن المعصية -بغير استحلال- لا تنقض أصل الالتزام، ولا تخرج الناس من الإسلام، ما داموا يقرون بالأمر المنزَّل من عند الله، ولا يجعلون مخالفتهم له تشريعًا مضاهيًا لشرع الله، أو قائمًا بذاته مناقضًا لشرع الله، بعبارة أخرى ليست المعصية لما أنزل الله هي التي تخرج من الملة، إنما هو التشريع بغير ما أنزل الله، وهو المعنيّ في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} [المائدة:44 - 45 - 47] . وكون ذلك هو الشرك المخرج من الملة واضح في قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى:21] ، وقوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف:3] .
و"الدين"في آية الشورى، واتباع ما أنزل الله في آية الأعراف، كلاهما لا يتعلق بالاعتقاد وحده ولا بالشعائر التعبدية وحدها، إنما يشمل قضية التحليل والتحريم، ويعتبر اتخاذ أيٍّ من هذه الأمور الثلاثة: الاعتقاد والشعائر والشرائع، من مصدر غير الله شركًا واتباعًا للأولياء، بدليل قوله تعالى في سورة النحل حكاية عن المشركين، وتحديدًا لأعمال الشرك التي يقومون بها: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} [النحل:35] .
وبدليل قوله تعالى عن المنافقين في سورة النساء موضحًا المحك الذي يصدقّ دعوى الإيمان أو يكذبها:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا} إلى قوله تعالى: فَلا