فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 209

وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:60 - 65] .

من هذه الآيات -وأمثالها في القرآن كثير- يتضح لنا أن العبادة المطلوبة من العباد هي إفراد الله بالألوهية والربوبية، الذي يشمل توحيد الله في ذاته وأسمائه وصفاته، والتوجه إليه وحده بالشعائر التعبدية، والالتزام بما أنزل الله، وعدم اتخاذ شرع من مصدر سواه، سواء على سبيل المضاهاة لشرع الله كما كان يفعل التتار قبل إسلامهم من اتخاذ الياسق الذي يجمع أحكامًا من القرآن وأحكامًا من مصادر أخرى، أو على سبيل التشريع المطلق، أي تنحية شرع الله جملة واتخاذ شرع غيره.

هذه العبادة -على هذه الصورة- هي التي تخرج الناس من الشرك وتجعلهم مسلمين، وهذا هو الإخلاص في حده الأدنى، الذي لا يقبل الله من الناس أقل منه، ولا تقوم بغيره حقيقة الإسلام في داخل النفوس ولا في واقع الحياة (أما الدرجات العليا فمرهونة بمقدار الطاعات التي يتقدم بها العباد إلى الله، ومقدار الحرص على الالتزام بما أقر به القلب واللسان) .

أما الاعتقاد بأن هناك شركاء لله في الخلق أو التدبير أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة أو النفع أو الضر .. إلخ، أو التوجّه لغير الله بالشعائر التعبدية، أو التشريع بغير ما أنزل الله، أو الرضا بغير ما أنزل الله، فهو الشرك الذي يخرج الناس من الإسلام.

وإذا كان أمر الإخلاص كذلك، في شموله لهذه الأمور الثلاثة، فإن جدية الأخذ من الكتاب والسنة تصبح بديهية من بديهيات الأمة المسلمة لا يقوم بغيرها لهذه الأمة وجود. فما دام الالتزام بما أنزل الله ركنًا من أركان العقيدة، لا تقوم في الحقيقة بدونه، فقد أصبحت جدية الأخذ من الكتاب والسنة هي المقتضى المباشر للإسلام، ففي كل لحظة من حياة الناس"تشجر"أشياء تحتاج إلى"حكم"يتخذ فيها، فمن أين يستمد الحكم؟

إنه ليس هناك إلا مصدران اثنان: إما حكم الله وإما حكم الجاهلية: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ؟! [المائدة:50] .

فإن لم يتخذ الناس أحكامهم من عند الله -أي من القرآن والسنة، ومن اجتهاد الفقهاء الملتزم بالكتاب والسنة لا يشذ عنهما ولا يخرج على أحكامهما- فإنهم عندئذ يتخذون أحكامهم من الجاهلية، ويخرجون بذلك من الإسلام.

فجدية الأخذ من الكتاب والسنة هي لازم من لوازم الوجود الإسلامي، وسمة من سمات الأمة الإسلامية لا تنفك عنها.

وليس وجودها هو الذي يبهرنا من ذلك الجيل الأول، إنما الذي يبهرنا منه هو الدرجة العالية من الالتزام في التنفيذ، التي تجعل المعصية شيئًا نادرًا في حياة الناس.

كذلك أمر الجهاد في سبيل الله .. إنه سمة أصلية من سمات هذه الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت