{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف:10 - 11] .
فما دامت الأمة قد حملت راية لا إله إلا الله، وحملت معها مسئولياتها، فقد أصبح الجهاد من لوازم وجودها، ذلك أن البشر لا يستقيمون كلهم على منهج الله، ولا يرضون كلهم أن يكون الدين لله، ولا يدعون المسلمين وشأنهم يقيمون دينهم بمأمن من العدوان، قال تعالى:
{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36] .
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] .
{قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] .
فلا غنى للأمة الإسلامية عن الجهاد {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] .
ونقول مجددًا: إن الذي يبهرنا من حياة الجيل الأول ليس هو صدق الجهاد في سبيل الله -الذي هو عنصر لازم للوجود الإسلامي في كل جيل- إنما هو الدرجة الرائعة من هذا الصدق في حياة ذلك الجيل.
لقد عاش ذلك الجيل مع القرآن حياة كاملة إن صح التعبير ..
كل جملة في القرآن وكل عبارة، كل توجيه وكل أمر أو نهي .. يصل إلى نفوسهم بشحنته الكاملة، ويحركها الحركة التامة المطلوبة من الجملة أو العبارة، أو التوجيه أو الأمر أو النهي.
لقد أنزل الله هذا القرآن لينشئ شيئًا ضخمًا في واقع الأرض.
إن مهمة القرآن هي إنشاء"الإنسان".. وذلك أعظم عند الله من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى الذي طلبه الكفار وأعظم من كل ما يتصورون!!
ولقد عمل القرآن عمله بالفعل في نفوس المسلمين الأوائل، فأنشأها إنشاء من جديد، فكان منهم ذلك الواقع العجيب الذي سجله التاريخ، والذي يلتقي فيه الواقع بالمثال.
كان القرآن يحدثهم عن قضية الألوهية فيدخل بها إلى نفوسهم من كل مداخلها، ويوقَع بها على أوتار قلوبهم .. يحدثهم عن آيات الله في الكون، وعن قدرة الله المعجزة في الخلق، وعن الإحياء والإماتة، وعن الرزق والتدبير، وعن علم الله للغيب .. إلخ.
وكانت هذه الآيات كلها تصل إلى نفوسهم بكل شحنتها، فتدخل إلى أعماقها، فتهزها هزًا .. فستجيب: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ... } [الزمر:23] .