فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 209

وكانت استجابتهم فذة من كل جوانبها ..

امتلأت قلوبهم بعظمة الله فقدروه حق قدره، فأخبتوا له، وتعلقت قلوبهم به في الخوف والرجاء، في الحب والكره، في السعة والشدة، في الضيق والفرج، في كل لحظة وفي كل حال.

ولم يكن هذا الذكر تسبيحًا باللسان، ولا بالأذكار والأوراد، ولا على حبات المسابح.

إنما كان الله حاضرًا في قلوبهم في كل لحظة {قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} لأن القرآن كان يخاطبهم بقضية الألوهية في كل حال من أحوالهم. إن كانوا يريدون شيئًا فالله هو الذي يعطي ويدبر. وإن كانوا يخشون شيئًا فالله هو الذي يقدر الأقدار .. إن كانوا يطلبون بسطة في الرزق فالله هو الذي يقبض ويبسط .. إن كانوا يريدون الذرية فالله هو الذي يهب الذرية لمن يشاء .. إن كانوا يخشون أعداءهم فالله هو الذي يسلط من يشاء على من يشاء لحكمة يريدها، ولن يخرجوا من قبضة أعدائهم إلا في اللحظة التي يقدرها الله، وبقدر يقدره الله .. والله هو مالك الملك الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الأمر وهو على كل شيء قدير.

والمسلمون الأوائل هم الذين امتلأت قلوبهم بهذه الحقيقة حتى أعماقها .. فآتت ثمارها .. وهل ثمارها إلا طاعة الله؟!

إذا كانت الألوهية على هذا النحو الهائل المحيط .. فكيف يكون موقف العبد تجاه مولاه؟

هذا هو الذي جعل ذلك الجيل على النحو الذي كان عليه ..

إحساسهم الحق بالعبودية الكاملة للإله الحق، العظيم القادر، المحيط بكل شيء علمًا وتدبيرًا وقدرة ومشيئة وحفظًا وهيمنة وملكًا وجبروتًا ورحمة ومغفرة ..

هو الله .. وهم العبيد .. والعبيد يسلمون أنفسهم وقلوبهم وأرواحهم للذي يملكها حقًّا وصدقًا .. فيتصرفون تجاه المالك كما يتصرف العبيد من الإذعان والطاعة والتسليم والخضوع.

وعندئذ يصلون إلى القمة التي لا يحسن الصعود إليها إلا من يحسن العبودية لله!

وكان القرآن يحدثهم عن اليوم الآخر حديثًا يهز القلوب بدقة الوصف والبلاغة المعجزة في التعبير، فيعيشون مشاهد القيامة كأنهم يرونها اللحظة تجاه أعينهم .. كأنها هي الحاضر المشهود لا المستقبل المنظور.

تلك خاصية القرآن .. يظل يصف لك مشاهد القيامة حتى يخيل إليك من روعة الوصف أن الحياة التي تحياها الآن قد مضت وانقضت وأصبحت ماضيًا يتذكر، وأن الحاضر هو هذه المشاهد الحية الموصوفة بكل دقائقها.

نعم .. تلك خاصية القرآن .. ولكن القلوب المتفتحة تحس بوقع الكلمات على نحو يختلف عن غيرها من القلوب .. إنها تتلقى الشحنة كاملة، فتتأثر بها كاملة، ويسري الأثر إلى الأعماق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت