فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 209

لقد كان من صدق استسلام هذه القلوب لله، أن كان تأثرها بكلام الله أشد، فهي تتلقى كل كلمة من كلام الله على أنها موجهة إليها شخصيًّا، لا أنها موجهة لآخر وهي تتفرج من بعيد، كما يحدث للقلوب الغافية التي تتلقى الكلام وهي وسنانة، فيكون في حسها كرجع الصدى، مبهمًا غير واضح النبرات!

عاشوا والآخرة في حسهم كأنها حاضر؛ يعايشون مشاهدها تجاه أعينهم، فتشهدهم الجنة بنعيمها الشفيف الخالد فيشتاقون إليها، فيغذون السير إليها متخففين مما يثقلهم في الطريق من متاع الحياة الدنيا، متزودين بالزاد الذي يصلح الطريق: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة:197] . ورهبهم النار بعذابها المروع فيحذرون أن يقعوا فيها، فيحاولون الابتعاد إلى أقصى المدى لينجوا من اللهيب:"كنا نترك تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام".

وكذلك كان وقع اليوم الآخر في حسهم .. لم يكن مجرد تأثر وجداني مؤقت، تمر به رياح الشهوات فتعصف به وتذروه، إنما هو شيء ثابت تجاه أعينهم، في كل لحظة يرونه، وفي كل لحظة يتأثرون برؤيته، فيعملون ما يقربهم من الجنة، ويتحاشون ما يقربهم من النار. لذلك كان دعاؤهم -وهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم- على هذا النحو الذي تصفه الآيات: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران:191 - 194] .

في كل لحظة يهم أحدهم بعمل يسأل نفسه: هل هذا العمل مما يرضي الله عنه فيدخله به الجنة؟ أم مما يسخط الله فيدخله به النار؟

وفي كل لحظة يسأل نفسه: ما الذي يريده الله مني في موقفي هذا في لحظتي هذه؟ فإذا عرف الجواب أسرع إلى القيام بما يطلبه الله منه، شوقًا إلى الجنة وفرارًا من النار، وكان هذا هو الذكر الذي يذكرون به الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم .. الذكر الحافز إلى المسارعة في الخيرات، لا ذكر الأوراد والأذكار والمسابح، الذي يبدأ هناك وينتهي هناك!

وكان القرآن يحدثهم عن قصة الشيطان مع آدم، ويحذرهم من الوقوع في فتنته: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:27] .

وكان الشيطان يتجسم في حسهم مرئيًّا مشهودًا يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، يوسوس لهم بالمعصية .. فكانوا يحاولون أن يكونوا دائمًا على يقظة، لأنه لا يدخل إلا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت