وعليه: فالصورة مختلفة تمامًا فلا يقاس فقه التغلب عند أهل السنة، على ما تقوم به هذه الجماعة من فتن ودماء وشقٍّ للصف باسم الخلافة.
· مناط"علة"إقرار إمارة التغلب عند أهل السنة هو:
درء الفتنة، ولَمُّ الشمل، وحفظ الدماء أن تسفك وتراق، والمحافظةُ على وحدة الأمة أن تُمزَّق بتفرق كلمتها وشق صفها، مما يؤدي إلى التنازع فيما بينها .. وذهاب ريحها .. وبالتالي: سقوط هيبتها من عين عدوها فيتسلطَ عليها.
ولو نظرنا إلى واقع جماعة الدولة لرأينا أن قولنا بإقرار دعواهم التغلب .. وبالتالي الخلافة .. لا يحقق أيًّا من تلك العلل بل يحقق عكسها تمامًا.
فلو نحن سكتنا على دعواهم وأقررناهم عليها، فإن هذا يعني مزيدًا من الدماء؛ لأنهم سيسفكونها باسم الخلافة، ويعني مزيدًا من الفتنة وتكريسًا لشق الصف وتمزيق الوحدة وتفريق الكلمة وتشتيت الشمل، وبالتالي مزيدًا من الضعف وتسلط العدو، ومزيدًا من خسارة الجهاد وأهله.
فكل العلل والمناطات التي دعت أهل السنة للقول بإقرار إمارة التغلب موجودٌ عكسُها تمامًا في حالة قولنا بإقرار دعوى الخوارج في إعلانهم الخلافة.
ثم إن هؤلاء خوارج؛ وفرقٌ بين تغلُّبِ السني على السني، وتغلب الخوارج على أهل السنة، يقول الشيخ أبو قتادة:"وهم -أي جماعة الدولة- وإن كان لهم نكايةٌ في الزنادقة الأنجاس، لكن هذا شيء .. وأمرُ سياسة المسلمين وقيادتهم شيء آخر .. حيث لا رحمة في قلوبهم على إخوانهم المجاهدين، فكيف سيكون أمرهم على فقراء الناس ومساكينهم وضعفائهم وعوامهم؟! وقد أجاز علماؤنا الجهاد تحت الأمير الخارجي كما أفتى علماء المالكية في المغرب الإسلامي، لكن لا يُعلم إقرارهم لحاكم خارجي يكون همه قتل الناس لا سياستهم ورعايتهم"انتهى كلام الشيخ.
ولي على هذا الكلام الطيب التعليق التالي: أما أن علماء المالكية من أهل القيروان أفتوا بجواز القتال تحت راية أبي يزيد الخارجي ضد العبيديين، وقالوا"نقاتل تحت راية من آمن بالله ضد من كفر بالله"فهذا من حيثُ الحكمُ الشرعيُّ جائزٌ كما ذكر الشيخ، ولكن لا يُنصح به من باب السياسة الشرعية بدليل أن أبا يزيد المذكور أعطى أمرًا لجيشه من الخوارج بالانسحاب حين رأى أن كفة المعركة بدأت تميل لصالح أهل السنة من أهل القيروان وعلمائها، ما أدى إلى أن يستحِرَّ القتل فيهم على يد العبيديين، حتى قُتل من قُتل من أولئك العلماء وأهل السنة، وهذا ليس مستغربًا عن الخوارج؛ نظرًا لأنهم يُكفِّرون المسلمين ولا يرون فرقًا بين السنة والعبيديين لأنهم يُكفِّرون الطرفين؛ هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: فإن القول بجواز القتال تحت راية الخوارج ضد الكفار إنما هو في حالة ما إذا لم يكن لأهل السنة راية، أما حين تكون لهم راية فلا وجه للقول بجواز قتال السني تحت راية الخوارج. وقد نوه