وذلك ما كان من شأن الأمة الإسلامية -في أجيالها الأولى- في جميع الميادين التي احتاجت فيها إلى الاقتباس من غيرها، كالمجال العلمي والمجال المادي والتنظيمي، فما مر ما بين تتلمذها على أوروبا وأستاذيتها على أوروبا إلا أجيال قليلة كأنها برهات في عمر الزمان.
إن هناك ارتباطًا وثيقًا في كل حضارة من حضارات التاريخ بين إنتاجها المادي والعمراني والتنظيمي وبين مفهومها للحياة الإنسانية وأهدافها ..
إن الأشكال المادية والتنظيمية من الحضارة ليست غاية في ذاتها إنما هي وسائل للتعبير عن مفاهيم تلك الحضارة، والمفاهيم هي المعيار الحقيقي لتلك الحضارة، وبالنظر إليها نلمس تفرد الحركة الحضارية الإسلامية، كما لمسنا من قبل تفرد الحركة العلمية الإسلامية.
إن"عمارة الأرض"أمر يقوم به"الإنسان"عامة تحقيقًا لمعنى من معاني الخلافة في الأرض: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] . {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] ، ولكن عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني هي الشيء الذي تتميز به الأمة المؤمنة عن سائر الأمم الجاهلية، وإن اشتركا في"العمارة"من حيث هي جهد مبذول وفن وبراعة في الإخراج.
وحين ننظر من هذه الزاوية يطالعنا في تلك الحضارة لأول وهلة أنها تأخذ الإنسان بمجموعه المتكامل: جسده وروحه .. دنياه وآخرته .. قيمه وأخلاقه .. في توازن ملحوظ.
إن الحضارة الإسلامية تمارس كل ألوان النشاط البشري التي تؤدي إلى عمارة الأرض من تجارة وصناعة وعلم .. إلخ، وتسعى إلى الإنتاج الوفير في كل أبواب الإنتاج، ولكنها في سعيها كله تلتزم بالحلال والحرام وبالقيم الأخلاقية وبما يقتضيه الإيمان بالله واليوم الآخر من تشكيل للسلوك.
وقد كان المسلمون في أجيالهم الأولى أمة نشطة في كل اتجاه.
وما تفردت به الحضارة الإسلامية -مع قيامها بالجانب الذي يمكن أن تقوم به كل أمة ممكنة في الأرض- أنها تقوم بمقتضى المنهج الرباني ..
تقوم بنشاطها التجاري الواسع الذي يمتد من المحيط إلى المحيط ولكن ذلك لا يؤدي بها إلى استعمار الأمم الأخرى لنهب خيراتها للحصول على أكبر قدر من الربح كما أدى بالجاهلية المعاصرة تحت أي ذريعة من الذرائع، بل يذهب التجار في كل مكان يحملون معهم سمت الإسلام ونظافة الإسلام وأخلاق الإسلام فينتشر الإسلام معهم كما حدث في أندونيسيا وكثير من بلدان أفريقيا.
تقوم بنشاطها الصناعي فتفرغ طاقتها فيما ينفع الناس في الأرض وما يجعل الحياة ميسرة وجميلة كذلك في الحدود المباحة، والحدود المباحة تسمح بقدر من الزينة وقدر من الجمال، ولكنها لا تجنح إلى شغل الناس بالسفاسف واستنفاذ أموالهم فيما لا طائل تحته من أجل أن يربح أصحاب الصناعات الربح الحرام كما تجنح الرأسمالية في الجاهلية المعاصرة، ولا تجنح إلى تلهية الناس بالحياة الدنيا حتى ينسوا الآخرة وينسوا