فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 209

هذا قول الله ليس بالهزل، بل هو الفصل فيما يختلف الناس فيه، وهو الهدى والنور الذي يجعل العقول في موازينها حين تقيِّم الأحداث والأشياء، ويبني النفوس لترتقي إلى ما يحب الله لها من الدرجات لقيادة التاريخ والعالم.

إن المصائب والقروح لا تمحق المؤمنين بل تمحصهم، ولكنها تمحق الكافرين، فحين تكون الوقعة بكل صورتها قد انتقلت من جانب إلى جانب، فمثل الذي وقع بالكافرين قد وقع بالمؤمنين مثله {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران:140] ، ولكن هي للمؤمنين تمحيص وللكافرين محق وعذاب، هكذا يصنع القرآنُ أهلَه، وهكذا يربي الله أحبابَه وعبادَه المجاهدين، وهكذا هو الزمان يشهد لهذا القول ويؤيده ويقسم أغلظ الأيمان إنه لقول فصل وما هو بالهزل، فماذا بقي للقاعدين من أعذار وحجج حتى يستبدلوا الدنيا وحبها بالجهاد في سبيل الله ...

لكن كيف يكون انتصار الكافرين في موقعة هو محق من الله لهم؟

تعالوا معي إلى التاريخ، وراجعوا صفحاته الكبرى، وتبصروا إلى وقائع عدة حصل فيها أن انهارت بيضة الإسلام الكبرى، وضُرب الإسلام ضربات كبرى لا قلمات صغيرة، وإن كانت القلمات الصغرى كذلك فيها هذه الدلالة الربانية الجميلة العظيمة، لكن تأملوا الحروب الصليبية، ثم تأملوا معها غزو التتار، وانظروا إلى رقعة الإسلام بعد هذه الوقائع التاريخية الكبرى، هل زادت أم نقصت؟ هل تقدم المسلمون إلى أراض أم تراجعوا؟

لقد خطا الإسلام بغزو الصليبيين داخليًّا خطوات محمودة رائعة منها القضاء على الدولة العبيدية في مصر، ثم لما انتهى أمر الصليبيين كليًّا صارت بلاد الشام كلها بلاد إسلام بشعوبها إلا بقايا من بقع قليلة لا أهمية لها، ثم بعد تحولات قليلة رمى الإسلام بنظره إلى مواقع جديدة في شمال بلاد الشام وتجاوز ذلك حتى تحولت بلاد البوسنة والهرسك إلى الإسلام، وهكذا كانت العاقبة للمسلمين.

وأما التتار فقد دخلوا في دين الله تعالى، وهضمتهم الأمة لأنها بقيت تستشعر علو الإيمان حتى وقت هزيمتها، ومن أراد تفصيل هذه القضايا العامة فالتاريخ أمامه يمكن له أن يطَّلع فيه على دقائق هذه القضية الرائعة في خصوصية الإسلام في التقدم وقت المحن.

إن الأمم بحاجة للمحن، وبحاجة للصدمات، وإن الله تعالى لَيَمُنُّ على الأحباب من عباده بوجود الأعداء، كما قال الله تعالى في سورة الفرقان: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} . فانظر هذه الفاصلة الرحيمة التي أعقبت هذا القدر اللازم للنبوة والأنبياء، وهي تعني أن وجود هؤلاء الأعداء يحقق الهداية والنصر الربانيَّيْن لهؤلاء الأنبياء، كذلك وجود القروح والآلام والأذى للمؤمنين هو تحقيق بأن الله سيمحق الكافرين بأيدي الصابرين المثابرين على طريق الجهاد رغم الصعاب والمحن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت