هذه الأمة تملك عاملين قدريين اثنين؛ بهما يحصل الغزو المتعاقب من الكافرين ضدها، ومهما حاول بعض أهل الفكر والنظر من منع هذه الظاهرة القدرية المتعاقبة فلن يستطيعوا ولن ينجحوا ...
وهذان العاملان أحدهما: مبعثه الإغراء الذي يعتري الأمة عند توقفها عن مسيرة الجهاد نحو الآخر، فتنشأ عوامل ظاهرية عدة كلها تدعو إلى تزيين هذه الأمة في نفوس خصومها ليقبلوا إليها بالغزو والاستباحة والعدوان.
وثانيهما: مبعثه استعلاء الضعيف أمام القوي، وهي حالة حاولت أن أجد لها اسمًا، أو أستعير لهذا الاسم فلم أقدر، ووصفها أن هذه الأمة ممضّخة بالقرآن والتاريخ، وكلاهما يبعثان فيها شعور الأفضلية والعزة، وهو شعور لا يقبله الخصم منك دومًا، ولكن يكون عامل سعار كلبي عنده حين تكون أنت الأضعف والأقل شأنًا، مما يجعله يأتي إليك وهو ناقم حاقد أشد النقمة والحقد.
عامل الإغراء؛ مبعثه ما تقع فيه هذه الأمة من ضعف وتفتت، ومما يزيد هذا الإغراء هو وجودك -وأنت الضعيف- فوق منابع خير ومال ودنيا بالنسبة إليه، فحينها يأتي بسلاحه وجنوده وقوته مدفوعًا برؤية جلية واضحة أن المعركة محسومة له بلا شك، فيشق بجنوده وسلاحه [1] واقع هذه الأمة كما تشق السكين قطعة الجبن الرخوة، فيحصل له الزهو [2] أن المعركة قد انتهت وحصل مقصوده بإفناء هذه الأمة وهذا الخصم التاريخي العنيد.
هذا العامل إن انفرد يجعل غزو الغرب لنا [3] أشبه برحلة تاجر يحقق ربحًا لا يعنيه الدم والثأر والانتقام، ولكن العامل الثاني وهو علم هذا الخصم القوي والمتبجح أن هذا الضعيف الحقير المهان يستبطن في داخله مشاعر عزة خاصة تملؤه، هذه المشاعر تجعله على إحساس دائم أنه خير الناس، وأعلم الناس، وأنه إن فقد دنياه فإن الآخرة له، وأن ما عنده من كتب خاصة، فيها الكفاية لتجعله أسعد الناس وأفضلهم في الوجود، وهو يحمل إرثًا تاريخيًّا أن آباءه خير الآباء، وأن أجداده خير الأجداد، وأن تاريخه هو تاريخ البشرية الوحيد، ومع هذا التاريخ هو يحمل رؤية أن المستقبل له كذلك، وأن الواقع هو لحظة عابرة كسحابة صيف سيتجاوزها وتتجاوزه.
علم هذا الخصم بوجود هذه النفسية في هذه الأمة مع ما يحمل من احتقار لها يجعل رحلته إليها رحلة دم وقتل وتخريب وثأر.
فيأتي وبالفعل تشق سكينه في اللحظات الأولى هذه الأمة .. قطعة الزبدة الرخوة، ولكن بمجرد أن يظن أن الرحلة قد انتهت يبدأ الكابوس الحقيقي في تحقيق قوله تعالى: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} .
(1) في الأصل: وسلوكه.
(2) في الأصل: الزهر.
(3) في الأصل: يجعل الغرب أشبه.