فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 209

وأقوال العلماء في وجوب النفير لنصرة البلد الذي دهمه العدو أكثر من أن تحصى، ومن ذلك قول القرطبي رحمه الله:"إنه يجب نفير الكل وذلك إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك: وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه ... فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا ... وكذلك بكل من علم بضعفهم عن عدوهم ... فالمسلمون كلهم يد على من سواهم" [1] .

ومنه تعلم: أن رابطة الإيمان .. رابطة الانتماء لهذا الدين .. هي الرابطة الشرعية، وهذه الرابطة تستوجب وتستلزم التعاون والتعاضد، والتعاطف والتناصر ونحو ذلك.

ومن أجل إضعاف هذه الرابطة، وحتى تتفتت وحدة المسلمين اخترع الكفار لنا الروابط الجاهلية البديلة:

فمنها: رابطة الأرض .. والتراب .. والوطن (الرابطة الوطنية) ، وراحوا يفسرون الوطن بحسب القاموس الذي وضعه سايكس وبيكو، وجعلوا لكل وطن"قطر"عَلَمًا خاصًّا، ليثبِّتوا به هذه الروابط.

وهذه الرابطة تعني: انتماء الناس لبلدهم بغض النظر عن دينهم، ودون التفريق بينهم على أساس الدين، حيث أن مصلحة الوطن -عندهم- مقدمة على كل المصالح، ويقولون:"الدين لله والوطن للجميع" {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف:5] ، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24] .

كما تقضي هذه الرابطة الجاهلية الخبيثة أن المسلم من غير أبناء البلد (الوطن) أجنبي عن المسلم من أبناء الوطن!! {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون:4] .

ومن الروابط الجاهلية: رابطة القومية: بالانتماء لقومٍ وجنسٍ بعينه، يغضب المرء لهم ويقاتل من أجلهم، ويعلي هذه الرابطة على ما سواها، وهي دعوى الجاهلية.

عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزاة فكسع رجل من المهاجرين، رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟» قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: «دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» فسمعها عبد الله بن أبي فقال: قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: «دَعْهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» متفق عليه.

(1) أحكام القرآن للقرطبي (8/ 151) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت