والتركيز عليها ناشئ من أنها هي مفتاح القلوب البشرية للخير، وينشئ فيها الخير، ويربيها على الخير، ويُنْتجُ منها الخير! وأنه لا يوجد مفتاح لهذه القلوب، يهيئها لما تهيئه لها لا إله إلا الله!
ولقد فعل الإيمان بـ"لا إله إلا الله"فعله في نفوس أولئك المشركين، فأنشأهم نشأة جديدة كأنها ميلاد جديد .. ثم فعل فعله في نفوسهم بعد أن آمنوا فأصبحوا ذلك الجيل الفريد الذي نزل في وصفه هذا التقرير الرباني: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] .
نعم؛ إنها"لا إله إلا الله"مفتاح القلوب، مفتاح الطريق لهذه القلوب حين تتجه الوجهة الصحيحة وتهتدي بنور الله.
ذلك أن الإنسان عابد بفطرته .. وإنما يختلف المعبود الذي يتوجه إليه بالعبادة.
وعلى حسب المعبود يكون منهج الحياة ..
فحين يكون المعبود هو الله يكون منهج الحياة هو المنهج الرباني المبين فيه الحلال والحرام، والحسن والقبيح، والمباح وغير المباح .. وحين يكون المعبود شيئًا آخر، يكون منهج الحياة هو الذي يمليه ذلك الشيء المعبود، سواء كان هو الهوى صراحة دون مواربة، أم كان هو الهوى من وراء أستار وشعارات وعناوين، ومن ثم تتعدد الصور في الجاهليات المختلفة وتلتقي في أنها كلها هوى .. إن يكن هوى فرد بعينه أو مجموعة أفراد أو هوى كل الناس مجتمعين .. فكلها في النهاية أهواء.
والمنهج الرباني هو الذي يُصلح الحياة البشرية والنفس البشرية لأنه منزَّل من عند اللطيف الخبير الذي يعلم من خلق ويعلم ما يصلحه وما يصلح له.
ولن يستقيم الإنسان للمنهج الرباني حتى يعلم صدقًا ويقينًا أنه لا إله إلا الله. عندئذ يسلم نفسه لله الواحد الأحد؛ حين يستيقن أنه هو الرزاق ذو القوة المتين، وأنه الضار النافع، وأنه هو المحيي المميت، وأنه هو مدبر أمر الكون كله، وهو صاحب المشيئة النافذة فيه، وأن كل من عداه وما عداه لا يملكون شيئًا على الحقيقة، وكل ما يملكونه في الظاهر يملكونه بمشيئة من الله وبقدر من الله.
عندئذ"يسلم"الإنسان! أي يسلم قياده لله، فيتقبل قدره ومشيئته، ويتقبل أوامره ونواهيه، ويتقبل منهجه في الحياة.
ثم إن إقامة هذا المنهج في الأرض لا تتم بمجرد رغبة الناس في إقامته، أو إسلام أنفسهم له. فقد سبق في مشيئة الله وقدره ألا يكون الناس أمة واحدة {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود:118 - 119] .
فهناك إذن من لا يؤمن بلا إله إلا الله، ومن يكرهها ويحاربها ويحارب أهلها ويقاوم منهجها .. ومن ثم تحتاج إقامة هذا المنهج في الأرض إلى مجاهدة أولئك الكافرين بلا إله إلا الله، الكارهين لمنهج الله.