فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 209

والجهاد من أجل إقامة المنهج الرباني في الأرض يعرض الإنسان للأذى، ويعرضه للموت، ويعرضه للحرمان من متاع الأرض.

ويحتاج القلب البشري لكي يدخل معمعة الجهاد بشتى أنواعه وشتى مخاطره أن يؤمن مرة أخرى أنه لا إله إلا الله! وأن الله هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يضر وينفع، وهو الذي يقبض الرزق ويبسط .. وإلا تزلزلت قدماه على الطريق عند أول اهتزازة تحدث في هذا الإيمان!

فلا إله إلا الله هي الإعداد للجهاد كما كانت من قبل هي مفتاح الإسلام .. إسلام القلب لله.

الإيمان بالله -حين يعمر القلب البشري- يبعث فيه الخشية والتقوى التي تؤهله لطاعة الله فيما يأمره به وينهاه عنه. والإيمان بأن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف، وأن هناك بعثًا ونشورًا، وحسابًا وجزاءً، ونعيمًا وعذابًا، هو الذي يغير موازين الحياة كلها، وقيمها ومستوياتها.

حين يؤمن بالبعث والجزاء، والنعيم المقيم والعذاب الفظيع المتجدد عندئذ يسهل عليه أن ينضبط في الحدود التي رسمها الله دون أن يشعر بالحرمان.

وحين نتحدث عن أثر القرآن في إنشاء ذلك الجيل المتفرد نتحدث عن السنة في ذات الوقت. ولكنا نريد أن نضيف عنصرًا آخر شديد التأثير في رفع نفوس الناس في ذلك الجيل إلى أقصى طاقاتها، والاستواء بها على تلك القمم السامقة التي وصلت إليها، ذلك هو وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشخصه الكريم بين ظهرانيهم. فلا شك أن كان لهذا الوجود أثره الكبير في الوفرة الملحوظة في النماذج السامقة من بين أولئك المحيطين به - صلى الله عليه وسلم -، مع ارتفاع القمم التي وصلوا إليها، ذلك الارتفاع الشاهق الذي عجزت عنه البشرية في شتى أجيالها.

لقد كان التأثير المباشر لشخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذا أثر بالغ في بناء تلك النفوس التي أحاطت به، وأحبته، وتربت على عينه - صلى الله عليه وسلم - في نفوس أتباعه ومحبيه .. أثر غير مكرر في التاريخ، ولا عجب في ذلك فإنها شخصية غير مكررة في التاريخ!

إنها أكمل شخصية وأعظم شخصية في الوجود البشري كله من بدئه إلى منتهاه.

ولسنا نقول مع ذلك إن وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشخصه شرط لإقامة هذا الدين في الأرض! فلو علم الله أن هذا شرط لا يقوم الإسلام في الأرض إلا به ما كلف سبحانه وتعالى الناس أن يقيموا الدين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

عنصر ثالث لا يمكن إغفال أثره في نشأة ذلك الجيل المتفرد، هو أثر النشأة الجديدة، إذ كل نشأة جديدة تكون أنشط وأكثر حيوية وأكثر فاعلية من الأجيال السابقة.

ويمكن تفسير ذلك من ناحيتين:

الأولى: إن النشأة الجديدة -وخاصة على النحو الذي صنعه الإسلام- تعيد تركيب النفوس على صورة جديدة فتصبح نفوسًا جديدة بالفعل، مذخورة الطاقة حادة الفاعلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت