فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 209

ج - إهمال التخطيط: مما يؤدي لهدر الوقت والجهد والطاقات والمقدَّرات.

بينما التخطيط يؤدي إلى اختيار الطريق الأمثل لتحقيق الأهداف، وجني الثمرة الممكنة بحسب القدرة، ويفيد من التجارب.

قال سيد قطب رحمه الله وهو يتحدث عن علاقة العمل لهذا الدين بالسنن الكونية:"إنَّ بعضنا ينتظر من هذا الدين -ما دام هو المنهج الإلهي للحياة البشرية- أنْ يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة! دون اعتبار لطبيعة البشر ولطاقتهم الفطرية ولواقعهم المادي في أيَّة مرحلة من مراحل نموهم وفي أيَّة بيئة من بيئاتهم! وحين يرون أنَّه لا يعمل بهذه الطريقة وإنما هو يعمل في حدود الطاقة البشرية وحدود الواقع المادي للبشر، وأنَّ هذه الطاقة وهذا الواقع يتفاعلان معه فيتأثَّران به في فترات تأثُّرًا واضحًا أو يؤثِّران في مدى استجابة الناس له وقد يكون تأثيرهما مضادًا في فترات أخرى فتقعد بالناس ثقلة الطين وجاذبية المطامع والشهوات دون تلبية هتاف الدين أو الاتجاه معه في طريقه اتجاهًا كاملًا .. حين يرون هذه الظواهر فإنهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعونها! -ما دام هذا الدين من عند الله- أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني للحياة وواقعيته! أو يصابون بالشك في الدين إطلاقًا!"

وهذه السلسلة من الأخطاء تنشأ كلُّها من خطأ واحد؛ هو عدم إدراك طبيعة هذا الدين وطريقته أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة.

إنَّ هذا الدين منهج للحياة البشرية يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد بشري في حدود الطاقة البشرية ويبدأ في العمل من النقطة التي يكون البشر عندها بالفعل من واقعهم المادي، ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود جهدهم البشري وطاقتهم البشرية، ويبلغ بهم أقصى ما تمكنهم طاقتهم وجهدهم من بلوغه.

وميزته الأساسية أنَّه لا يغفل لحظة في أيَّة خطة وفي أيَّة خطوة عن طبيعة فطرة الإنسان وحدود طاقته وواقعه المادي أيضًا. وأنه في الوقت ذاته يبلغ به -كما تحقق ذلك فعلًا في بعض الفترات وكما يمكن أن يتحقق دائمًا كلما بُذلت محاولة جادة- ما لم يبلغه وما لا يبلغه أي منهج آخر من صنع البشر على الإطلاق"، إلى قوله:"هذا المنهج الإلهي الذي يمثِّله الإسلام كما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يتحقق في الأرض .. في دنيا الناس .. بمجرد تنزله من عند الله، ولا يتحقق بمجرد إبلاغه للناس وبيانه، ولا يتحقق بالقهر الإلهي على نحو ما يُمضي الله ناموسه في دورة الفلك وسير الكواكب وترتب النتائج على أسبابها الطبيعية.

إنما يتحقق بأن تحمله مجموعة من البشر تؤمن به إيمانًا كاملًا وتستقيم عليه -بقدر طاقتها- وتجعله وظيفة حياتها وغاية آمالها؛ وتجهد لتحقيقه في قلوب الآخرين وفي حياتهم العملية كذلك؛ وتجاهد لهذه الغاية بحيث لا تستبقي جهدًا ولا طاقة .. تجاهد الضعف البشري والهوى البشري والجهل البشري في أنفسها وأنفس الآخرين. وتجاهد الذين يدفعهم الضعف والهوى والجهل للوقوف في وجه هذا المنهج .. وتبلغ -بعد ذلك كله- من تحقيق هذا المنهج الإلهي إلى الحد والمستوى الذي تطيقه فطرة البشر. على أن تبدأ بالبشر من النقطة التي هم فيها فعلًا؛ ولا تغفل واقعهم ومقتضيات هذا الواقع في سير مراحل هذا المنهج وتتابعها .. ثم تنتصر هذه المجموعة على نفسها وعلى نفوس الناس معها تارة؛ وتنهزم في المعركة مع نفسها أو مع نفوس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت