بالاستضعاف في أمورٍ وحالات لا يصح الاحتجاج بها، وحتى في وقت الاستضعاف فيجب على المسلم اعتقاد وجوب الجهاد من جهة، ويجب عليه الإعداد له من جهة ثانية، فضلًا عن الإتيان بكل ما يستطيعه مما يجب على أهل الأعذار حسبما سنبين.
-ومما ينبغي الانتباه له: ضرورة تحقيق العدل مع الناس جميعًا، وهذا يستدعي من العاملين في سبيل الله أن ينشطوا لمحاربة الظلم بكل أشكاله، لا لإرضاء الناس، بل لإرضاء رب الناس، الذي يحب العدل، وقد أمر به، وحرم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرمًا.
وليتجنب المجاهد أذية المسلمين، ففي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث في غزاةٍ من ينادي في الناس: «أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ» رواه أحمد وأبو داود.
ورغم جلالة قدر الجهاد وأهله، فلا ينبغي السكوت عن خطأ المجاهد، لأن المنكر منكر، والخطأ يزال كما الضرر، والقيادات الجهادية المخلصة تحاسب نفسها وجندها في كل ما يخالف الشرع، دون مداراة ولا مداهنة، فيحدث الانحراف وتتشوه السمعة، حتى ولو كان الخلل صادرًا من أقرب الناس، لأن مصلحة الدين والجهاد مقدمة على الأسماء والأشخاص، وقد قيل:"تبرئة المنهج أهم من تبرئة الأشخاص". ولنا في فعل الأسوة - صلى الله عليه وسلم - خير أسوة حيث لما بلغه قتل خالد رضي الله عنه لبني جذيمة، رفع يديه إلى السماء وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبَرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» مرتين، رواه البخاري. وقال كذلك بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم: «وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» متفق عليه.
مع الانتباه في هذا الباب إلى أمورٍ تشتبه على كثيرٍ من إخواننا، وهي لا تخرج عن الهدي النبوي، ومن أهمها:
منهج «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَتَهُمْ إِلَّا الْحُدُودَ» رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
ومنهج {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} .. حيث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقيل عثرة أصحابه إذا عثروا كما فعل مع حاطب رضي الله عنه لما كتب الكتاب إلى قريش يخبرهم بتجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاصدًا مكة.
ومنهج: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} [النساء:85] . فالشفاعة الحسنة محمودة في ديننا، وليست من"الواسطات والمحسوبيات".
ومنهج: «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟» رواه مسلم. حيث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغضب إن تعرض أحدٌ لأمرائه ويدافع عنهم، ويذب عن عرضهم، بل إنه ذب عن عرض ناقته القصواء لما قال الصحابة: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَا خَلَأَتْ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ» رواه البخاري.
فالقصد أن كل هذا من منهجه وهديه - صلى الله عليه وسلم -، وليس من الواسطات والمحسوبيات، ولا"على ناس وناس"ولا"خيار وفقوس"كما يقول البعض أو يظن.