هذه هي الصورة الطبيعية لأمة الإسلام، والتي في ضوئها قال العلماء: إن الجهاد فرض كفاية.
ولكن إذا اختلفت الصورة وتبدل الحال؛ تبدل الحكم وتبدل الأصل، ومن ذلك أن العلماء قالوا: أن الجهاد يصبح فرض عين في حالات وعددوا منها: إذا دهم العدو بلاد المسلمين، أو سُبيت امرأة مسلمة أو كان عند الكفار أسير مسلم واحد، أو استنفر الإمام الرعية، أو كان المرء في الصف وقد حضر اللقاء.
ومن أقوالهم في هذا السياق:
قال في المغني (9/ 197) :"فصل: ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع -أي يصبح فرض عين-؛ أحدها: إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان، حُرِّم على من حضر الانصراف، وتعين عليه المقام لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا} ..."
الثاني: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.
الثالث: إذا استنفر الإمام قومًا لزمهم النفير معه. لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} الآية والتي بعدها. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «وَإذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» "."
ومعنى قوله:"تعين على أهله قتالهم ودفعهم"أي: إذا حصلت منهم الكفاية وإلا فإن الواجب يتوسع بشكل دائري حتى يشمل الأمة، أي يبدأ فرض العين وينصبُّ ابتداءً على أهل البلدة، فإن لم يقدروا ولم تحصل بهم الكفاية شمل من بعدهم ممن حولهم، فإن لم يفوا، فمَن وراءهم ثم مَن وراءهم حتى يشمل كل الأمة وجميع المسلمين في الأرض.
قال في الفتاوى الكبرى (5/ 539) :"وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن الوالد ولا الغريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا".
وقال في مجموع الفتاوى (28/ 359) :"وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب، كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق، لم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداءً لطلب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذم الذين يستأذنون النبي - صلى الله عليه وسلم: {يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلَّا فِرَارًا} ، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار، وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه ولإرهاب العدو".
قال الشيخ عبد الله عزام رحمه الله:"وجهاد الكفر نوعان:"
1 -جهاد طلب -طلب الكفار في بلادهم-: بحيث يكون الكفار في حالة لا يحشدون لقتال المسلمين، فالقتال فرض كفاية وأقل فرض الكفاية سد الثغور بالمؤمنين لإرهاب أعداء الله، وإرسال جيش في السَّنة على الأقل، فعلى الإمام أن يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين، وعلى الرعية إعانته