هي إرادة الخلق الحرة، هو الذي يقضي فيكون ويقدر فيحدث. وهذه فكرة القضاء والقدر عند الشرقيين، فإذا قضى الله أمرًا فلا مرد لقضائه، وإذا أراد شيئًا قال له كن فيكون. غير أن الإرادة الإلهية لا تتعلق بالأمر الذي قضي بوقوعه إلا إذا تعلقت به إرادة الإنسان المخلوق الذي وهبه الخالق حرية الإرادة، في أن تتعلق بالأشياء فكأن للإنسان اختيارًا، غير أنه عند النظر مقيد بالعلم الإلهي الأزلي وبتعلق الإرادة الإلهية لترجح.
أما في نظر الغربي فالإنسان وإن كان يتبع في تصرفاته وسلوكه نواميس الحياة ويخضع لها، فإن في قدرة الإنسان تغيير المقدر له عن طريق معرفة النواميس المتحكمة في وجوده والعمل على إيجاد الملاءمة بين حاجات الإنسان في الحياة ومطالبه في الوجود، وبين المقدر له عن طريق تغييره يتكافأ وصالحه.
وخلاصة القول أن قي الشرق استسلامًا محضا للغيب، والغرب نضالا محضا مع قوى الغيب، وبين منطق الغرب وروح الشرق تسير البشرية في قافلة الحياة.
هذا الكلام الذي لخصت فيه في ختام محاضرتي كل ما قلته في ذلك المساء، أجده بليغًا في الرد على مزاعم مناظري الفاضل.
وخشية أن يقف بعض الناس عند ظاهر هذا القول فلا ينزلون إلى أغواره القصية، أحب أن ألفت أنظارهم إلى أشياء.
1 -إن ما نعنيه باصطلاح الشرق والغرب لا يقوم على أساس من تقسيم العالم إلى شرق وغرب في تقويم البلدان، وإنما ترجع التفرقة عندنا إلى ما نلمسه من طابع ذهني للغرب ومنزع ثقافي للشرق، على اعتبار أن هذا الطابع عام للغرب وذلك المنزع عام للشرق. غير أن هذا لا يمنع أن نجد مجتمعًا غربيًا ينزع منزع الذهن الشرقي في قلب أوروبا في زمن من أزمنة التاريخ نتيجة لغلبة الطابع الشرقي لأسباب خارجة وطارئة على المحيط الاجتماعي والبيئة الطبيعية، فمثلًا يمكننا أن نقول إن طابع التفكير في القرون الوسطى في أوروبا كان شرقيًا في العموم لغلبة المنزع الشرقي على الطابع الغربي نتيجة لبلوغ المنزع الشرقي شغاف أوربا وغزوها الغرب مع الدين المسيحي.
2 -إن هذا المنزع الثقافي والطابع الذهني لكل من الشرق والغرب إذا اعتبرناه. من الخصائص الأولية لشعوب الشرق والغرب، فذلك لا يرجع لعوامل بيولوجية أو