اقترب منهما رفع قبعته وانحنى وحياهما: (مساء الخير يا سيداتي! عيد ميلاد سعيد)
فأحنت الكبيرة رأسها قليلًا بكبرياء، وأجابت هي وشقيقتها الصغيرة: (مساء الخير يا سيدي، عيد ميلاد سعيد) . ولم تكن المستر باترمان يعرفهما من قبل، ولكن دفعه إلى هذه التحية وجه الشبه الذي رآه والذي أراد تحقيقه. لذلك لم يلبث أن فاجأهما بهذا السؤال: (أليس سيدتاي من أسرة سوانسون) فأجابت الكبرى في رفق وعلى ثغرها ابتسامة مغرية: (كلا يا سيدي، بل نحن من أسرة كلارك) . وكان ثغر الصغيرة يفتر عن ابتسامة خفيفة، ولكن الشيخ لم يقنعه هذا الرد. وذهب إلى أنه لابد أن يكون هناك صلة قديمة بين أسرة سوانسون وكلارك، ولكنه لا يمكنه تحقيق ذلك وهو في طريق كل إنسان يدخل أو يخرج من الفندق. لذلك دعاهما للجلوس معه فلم يرفضا، كانتا فرحتين طروبتين، وقصدا مكانًا قصيًا بعيدًا عن ضوضاء الأحاديث وصخب الراقصين، ودعاهما إلى الشراب فلم يرفضا، وكانت علامات السرور بادية على محياهما، كما كان الشيخ مسرورًا لهذه العلاقة التي ذكرته بالماضي. . . وكانوا كلما شربوا كثر ضحكهم وعلا صوتهم، وكان الرائي يشاهد خصلتين من الشعر على فوديهما كأنهما قرنان، ولم يفطن لذلك الشيخ الذي أعماه السرور، وقد حق للشيخ أن يسر، فقد وجد شبهًا قويًا بين السيدة الكبرى وبين زوجته، كان قد احب في شبابه فتاة من طبقة النبلاء كانت آية الجمال في عصرها، ثم تزوجها بعد جهد جهيد ولم تعش معه إلا عامًا ونصف عام ثم ماتت على أثر ولادتها الأولى. فقطع على نفسه عهدًا منذ ذلك الحين أن يحفظ لها المودة ما دام حيًا، وقد بر بوعده، وصرف عنايته إلى ابنه (جيمس) وغمره بحبه، وجعل منه الذكرى الوحيدة لتلك الحبيبة الراحلة. . . لذلك كان قرة عينه وحبة قلبه، لا يألو جهدًا في العناية بأمره - ولو كلفه ذلك كل ثروته - إخلاصًا لتلك الفتاة التي فتح لها قلبه لأول مرة. . . وكان لجيمس تلك الطلعة السمحة التي كانت لوالدته، وتلك النوتة التي كانت في متوسط ذقنها، فهو صورة منها. . . كان الشيخ المهدم يرى فيها مطلع السحر. . . فلما وقع نظره في تلك الليلة على هاتين السيدتين، انتعشت روحه، لأن حبيبته تعود للحياة ثانية. . . ولشد ما جذبته تلك الطلعة نحوها لتصور الماضي البعيد المملوء بالأحلام السعيدة. . . ذكر كيف ظفر بحبيبته وتذوق السعادة لأول مرة في حياته! ولكن الشقاء كان يسخر من هذه السعادة فلم يلبث أن انتزعها منه. . . هذا