شعبان سنة سبع وثمانمائة خرج من تلك البلاد، فوصل إلى بلاد خراسان، ودخل مدينة هراة، فقرأ عليه للعشرة جماعة، أكمل منهم الإمام العالم جمال الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد الشهير بابن افتخار الهروي، ثم قفل راجعا إلى مدينة يزد فقرأ عليه للعشرة جماعة منهم المقرئ الفاضل شمس الدين محمد بن الدباغ البغدادي، وجماعة لم يكملوا، ثم دخل أصبهان فقرأ عليه بها جماعة أيضا ولم يكملوا، ثم وصل إلى شيراز في رمضان سنة ثمان وثمانمائة، فأمسكه بها سلطانها بير محمد بن صاحبها أمير عمر شيخ ابن أمير تمر، فقرأ عليه بها جماعة كثيرون ثم ألزمه صاحبها بير محمد بالقضاء بها وبممالكها وما أضيف إليها كرها» [35] .
وأقام ابن الجزري بشيراز، مكرها في بادئ الأمر، ومختارا في الختام، وأنشأ هناك مدرسة تعرف باسم (دار القرآن) [36] ، على غرار مدرسته التي أنشأها بالشام، فكان يقرئ القراءات ويدرّس ويؤلف إلى أن مات هناك، رحمه الله.
وفي السنوات التي قضاها ابن الجزري في شيراز (من سنة 808هـ إلى سنة 833هـ) قام برحلتين، حج خلالهما وزار بعض البلدان، فقد قصد الحج في سنة 822هـ، ولكن نهب في الطريق، بحيث تعوق عن إدراك الحج في ذلك العام، فأقام بينبع، ثم بالمدينة، وكان دخوله لها في ربيع الأول سنة 823هـ، ثم توجه إلى مكة، فدخلها في مستهل رجب، فجاور فيها بقية السنة، فحدّث وأقرأ، ثم حجّ، وسافر بعد ذلك راجعا إلى مدينة شيراز [37] .
أما الرحلة الثانية فكانت سنة 827هـ، حيث قدم دمشق، فاستأذن منها
(35) غاية النهاية 2/ 250.
(36) المصدر نفسه 1/ 340و 2/ 251.
(37) المصدر نفسه 2/ 250وينظر: ابن حجر: إنباء الغمر 3/ 466، والسخاوي: الضوء اللامع 9/ 257.