ذكر العلماء شروط الذكاة، وهي أربعة: الشرط الأول: أهلية الذابح، وهو أن يكون مسلمًا، أو ذميًا متمسكًا بالكتاب الذي أنزل عليه؛ وذلك لأن من شرع أهل الكتاب أنها لا تباح الميتة، وأنه لابد من ذبحها ذبحًا شرعيًا بقطع الودجين مع المريء والحلقوم، هذا من دينهم، وهو أيضًا من دين الإسلام، فإذا كان الذابح أهلًا مسلمًا أو ذميًا، أبيح ذبحه الشرعي.
الشرط الثاني: قطع الودجين مع المريء والحلقوم، فلابد من قطعها في أي مذبوح، حتى ولو طيرًا أو بعيرًا أو شاة أو بقرة، كل ما يذكى، والحلقوم هو مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام، والودجان عرقان إلى جانب الحلقوم يجري معهما الدم، وإذا قطعا وفي المذبوح حياة فإنه يخرج الدم منهما خروجًا مندفعًا منسفحًا، حتى يخرج الدم كله من عروق الذبيحة، فهذا شرط من شروط حلها، قطع الودجين مع الحلقوم والمريء.
الشرط الثالث: التسمية لقوله في هذا الحديث: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) ، فلابد أن يسمي عند الذبح، وقد ذكر الله التسمية في قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة:4] فلابد أن يقول: باسم الله، أو باسم الله والله أكبر، والتكبير سنة، والتسمية واجبة، ويدعو في الأضحية بما ورد كما سيأتي، أما في التذكية فيقتصر على التسمية والتكبير، وإذا لم يذكر اسم الله تعالى، فإن كان تركها عمدًا فلا تحل، قال الله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام:121] أي: مما ذبح ولم يذكر عليه اسم الله تعالى، سواءً ترك التسمية عمدًا أو ذكر عليه اسم المسيح أو اسم صنم أو غير ذلك.
كذلك يقول تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:118] ، {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:119] ، أما إذا ترك التسمية جاهلًا وهو من المسلمين أو تركها ناسيًا فإنه معذور، والصحيح أنها تباح ذبيحة من كان مسلمًا ونسي التسمية، وأما إذا تعمد تركها فلا تباح.
ونلاحظ أن كثيرًا من الذين يذبحون في المجازر يكونون جهلة بالأحكام، ولكن ينبغي أن يحضرهم أهل المعرفة، فإذا وكلته أن يذبح لك شاة أو يذبح لك دجاجًا وأنت عنده، وعرفت أنه منشغل أو جاهل بالحكم؛ فعليك أن تسمي أنت عند ذبحه، أو تأمره وتكلفه بأن يسمي عند ذبح كل مذبوح ولو طيرًا صغيرًا أو نحوه.
الحاصل أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) يعني: أي شيء أنهر الدم يعني: أساله، وقد ثبت أن شاة كانت مع غنم لبعض الصحابة فأدركها الموت، وكانت ترعاها جارية له، فكسرت حجرًا وذبحتها بذلك الحجر، فأباح لهم النبي صلى الله عليه وسلم أكلها، مع أنها ما ذبحت بحديد، وإنما ذبحت بحجر، ولكنه مما أنهر الدم وأساله.
الشرط الرابع من شروط الذكاة: الآلة التي يذبح بها، وقد قال في هذا الحديث: (كل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة) فأمرهم بأن يذبحوا بكل شيء يسيل الدم إلا الظفر، فلو كان ظفر إنسان محددًا فذبح به طيرًا لم يحل الذبح بهذا الظفر، وقد علل بأنه مدى الحبشة، يعني: سكاكينهم التي يذبحون بها، وكان الحبشة في ذلك الوقت نصارى، ومع ذلك كانوا يخالفون شريعتهم ويخالفون دينهم، ففيه النهي عن التشبه بهم، ويعم ذلك التشبه بهم وبالنصارى ونحوهم في كل شيء من اختصاصاتهم.
ولا يجوز أيضًا أن يذبح بسنه أو بأسنانه، فلا يجوز مثلًا أن يعض الشاة بأسنانه أو يعض الدجاجة بأسنانه حتى يقطع حنجرتها أو يقطع مريئها أو نحو ذلك، لا يجوز الذبح بالسن، وعلل النهي في هذا الحديث بأنه عظم، فكأنه يقول: العظم لا يذبح به، ولو كان محددًا، يعني: لو لم يجد إلا عظم مذكاة مثلًا، ولكن له طرف محدد، فليس له أن يذبح به، ولعل السبب أنه من جملة ما يؤخذ من هذه الدواب فكأنه يذبحها بجزء منها.
إذًا: عرفنا أن شروط الذكاة أربعة: الأول: أهلية الذابح بأن يكون مسلمًا أو ذميًا عاملًا بكتابه.
الثاني: ذكر اسم الله تعالى عند الذبح.
الثالث: قطع الحلقوم والمريء والودجين.
الرابع: الآلة التي يذبح بها، وهو ألا يذبح بسن ولا بظفر.