فهرس الكتاب

الصفحة 1034 من 1083

النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته الجهاد والقتال، وكان يقاتل كل من بلغته الدعوة، ولكنه لا يقاتلهم إلا بعد أن يدعوهم، وكان يأمر من بعثه للقتال أن يبدأ بالدعوة، ففي حديث بريدة قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لكل أمير: (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال: ادعهم إلى الإسلام، فإن أبوا فاسألهم الجزية، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم) ، يخيرهم بين هذه الثلاث: إما أن تسلموا، وإما أن تبذلوا الجزية، وإما أن تستعدوا للقتال، ولا يبدأ بالقتال أولًا إلا إذا عرف أن الدعوة قد بلغتهم، وأنهم أصروا وعاندوا، فحينئذٍ يقاتلهم.

بعض المعاصرين ظنوا أن القتال لا يكون إلا دفاعًا، وأن المسلمين لا يقاتلون الكفار إلا لدفع شرهم، وهذا ظن خاطئ، بل الكفار يقاتلون لكفرهم، فما داموا كفارًا فإنا نقاتلهم إلا أن يبذلوا الجزية أو يسلموا، لقول الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ} [التوبة:123] ، وقوله تعالى: {جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة:73] ، وقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] ، والآيات كثيرة، وفيها أن الله أمر بقتال المشركين عمومًا لشركهم ولكفرهم، وسمى كفرهم فتنة فقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] هذا هو سبب شرعية القتال؛ إذ لم يكن قتال الكفار لأجل الولاية، ولا لأجل السيطرة، ولا لأجل الانتقام منهم، ولا لأجل التولي على أموالهم، ولا على نسائهم وأولادهم استعبادًا واسترقاقًا، ولكن قتالهم لأجل أن يدخلوا في الإسلام، ولأجل أن يذل الكفر وأهله، وأن ينتصر الإسلام وأهله، هذا هو السبب في قتالهم؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ، فهكذا كان المسلمون من عهد الصحابة رضي الله عنهم مع نبيهم يقاتلون لأجل إعلاء كلمة الله، ولأجل إذلال الكفر وكلمته، ولأجل أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

فإذا وجد هذا القتال فإنه قتال في سبيل الله، أما القتال لأجل الولاية والسلطة والسيطرة، ولأجل التغلب على من اعتدى عليه، فإن مثل هؤلاء لا يبالون بمن قاتلوا، ولذا فهم يقاتلون المسلمين، ويقاتلون الكفار، ويقاتلون النصارى، وليس لهم رغبة في نصر الإسلام، وإنما رغبتهم أن يكون لهم سلطة، وأن يكون لهم ولاية، وأن تعم ولايتهم وتكبر دولتهم، وهذا ليس قتالًا في سبيل الله، ولا يُشجع أهله، بل يقال لهم: أخلصوا نيتكم، وقاتلوا من كفر بالله، ولا تقاتلوا من آمن بالله، إنما قاتلوا الكفار لأجل كفرهم أيًا كان نوع الكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت