ذكروا للقطع شروطًا لابد منها حتى يلزم القطع: الشرط الأول: تكليف ذلك السارق، والتكليف هو: أن يكون بالغًا عاقلًا ملتزمًا، فإذا سرق الصبي فلا قطع عليه؛ لأنه لم يتكامل عقله الذي يزجره عن السرقة، وكذلك إذا سرق المجنون فلا قطع عليه، وأما إذا سرق من مال الحربي فإن المجاهد له أن يأخذ من مال المحاربين ما يقدر عليه، فلا يقطع إذا قدر عليه، وإذا كان السارق كافرًا محاربًا فإنه يقتل.
الشرط الثاني: أن يكون المال محترمًا، فإذا كان غير محترم أو لم يكن له قيمة فلا قطع عليه، فإذا سرق خمرًا فلا قطع عليه؛ لأنه لا قيمة لها، ومثلها سائر المحرمات كالدخان والقات والنرجيل وما أشبهها مما لا قيمة لها في الشرع، فلا قطع على من سرقها.
وكذلك لو سرق آلات الملاهي كالعود والطنبور والطبول وما أشبهها، وكذلك لو سرق ما يجب إتلافه كالصور والأفلام التي فيها صور خليعة، وكتب الزندقة والإلحاد، والمجلات التي فيها خلاعة ومجون، وفيها إلحاد وزندقة، فهذه إذا سرقت فلا قطع على من سرقها؛ لأنه لا قيمة لها شرعًا، ولو أنها مقرة وتباع.
الشرط الثالث: بلوغ النصاب، فلابد أن يكون المسروق نصابًا، وقدر النصاب بأنه مقدار ربع دينار أو ثلاثة دراهم، والدينار هو: أربعة أسباع الجنية، وربعه معروف، فربع الدينار هو نصاب السرقة، ومن الدراهم الفضة ثلاثة دراهم، والدرهم: قطعة من الفضة صغيرة، فإذا بلغ المسروق نصابًا أو كانت قيمته نصابًا فإنه يقطع فيه السارق.
والمجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم ثمنه ثلاثة دراهم، وثلاثة درهم هي ربع دينار؛ لأن صرف الدينار في ذلك الوقت كان اثني عشر درهمًا.
والمجن هو: الترس الذي يلبسه المقاتل فوق رأسه، يُسمى مجنًا ويُسمى مغفرًا ويُسمى ترسًا؛ لأنه يستر الرأس، ويكون على الرأس وعلى الأذنين ونحوها، وهو من حديد، فله ثمن، وهذا الرجل الذي سرق هذا الترس أو هذا المجن قطع بهذه السرقة فدل على أن هذا نصاب.
ومعلوم أن آلات الملاهي ليس لها قيمة في الشرع لا ربع دينار ولا ثلاثة دراهم؛ فلأجل ذلك لا قطع في سرقتها، ولا يغرمها من أتلفها.
هكذا الحكم شرعًا.
الشرط الرابع: الحرز، فالمسروق لابد أن يكون محرزًا، فإذا أخذه من الشوارع والطرق فلا يُسمى سارقًا، وكذلك إذا وجد الباب مفتوحًا فدخل وأخذ قدحًا أو ثوبًا فلا يُسمى سارقًا، وهكذا لو دخل الدكان فأخذ إناءً أو أخذ نعلًا أو شيئًا من المال قيمته نصاب فلا قطع عليه، وما ذاك إلا أنه لا يُسمى سارقًا؛ لأنه لم يسرقه من حرز، ومعلوم أن الأبواب التي تغلق تحرز ما في داخل البيت، فإذا كسر الباب ودخل فهذا قد أخذ من الحرز.
ومعلوم أن الأسوار حروز، فإذا صعد مع السور وقفز ودخل الدار فهذا قد هتك الحرز.
ومعلوم مثلًا أن الصناديق الكبيرة حروز، فإذا كسر الصندوق وأخذ ما فيه فإنه قد أخذ من الحرز، فيعتبر قد انطبق عليه اسم السارق الذي أخذ من الحرز.
وإذا وجد الغنم في زريبة ففتح الباب عليها وأخذ منها فقد أخذ من الحرز، وإذا وجدها مع الراعي فإن الراعي أيضًا هو الحرز، فإذا اهتبل غفلته وأخذ فإنه قد أخذها من الحرز.
وإذا وجد مالًا محرزًا بما يحرز به عادة كحجرة أو دار مقفلة أو نحو ذلك، فهتك ذلك الحرز وأخذ فإنه يصدق عليه أنه قد أخذ من الحرز، فيجب قطعه.
الشرط الخامس: انتفاء الشبهة: فإذا كان له شبهة في هذا المال فلا قطع عليه، فإذا ادعى أن هذا المال وقف على المساكين، وأنا من المساكين، وكان قوله صحيحًا فلا قطع عليه، وإذا سرق من مال غنيمة وهو من جملة الغانمين قبل أن يقسم فلا قطع عليه؛ وذلك لأن له شبهة، وكذلك لو كان ولده من جملة المقاتلين، وكما إذا سرق من مال له فيه حق كبيت المال، لأن له فيه حقًا، وهو من جملة المستحقين، أو سرق من وقفٍ على فئة هو منهم، كالوقف على الفقراء أو على المساكين أو على هؤلاء المسمين وهو من جملتهم، فلا قطع في مال له فيه شبهة، بل لابد أن تنتفي الشبهة.
الشرط السادس: ثبوت السرقة، وتثبت بأحد أمرين: بالبينة، وبالاعتراف، فإذا أقر واعترف بأنه الذي سرق فإنه تقطع يده.
وإذا أنكر وجحد، ولكن شهد عليه شاهدان فإنه تقطع يده، ولابد في الشاهدين من العدالة، والعدالة هي: أن يكون الشاهد ذكرًا عدلًا موثوقًا مقبولًا خبره، فلا تُقبل شهادة عدو له مثلًا؛ لأنه يطعن فيه ويقول: هذا يحب الإضرار بي، وكذلك لا يشهد عليه فاسق غير مقبول الشهادة عند المسلمين وغير مقبول الشهادة عند الحاكم.