معلوم أن الشروط التي يشترطها الزوج أو تشترطها الزوجة يكون فيها شيء من المصلحة لكل منهما، فعليه أن يفي بهذه الشروط لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا) .
وهناك شروط قد نهي عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشترط المرأة طلاق ضرتها لتكفأ ما في إنائها) ، ومعناه: إذا خطب رجل امرأة فلا تقل: بشرط أن تطلق امرأتك.
وكذلك لو عرضت نفسها عليه وقالت: تزوجني بشرط أن تطلق امرأتك.
لا يجوز هذا؛ لأنه تفريق بين الزوجين، وأما إذا كان فيه مصلحة فلا بأس، وقد اختلف العلماء في بعض الشروط، فمنها إذا شرطت الزوجة أن لا يتزوج عليها، فهل لها ذلك؟ بعضهم يقول: لا يصح، وذلك لأنه شرط حرم حلالًا، وبعضهم يقول: بل هو شرط لها فيه مصلحة؛ لأن عليها مشقة من وجود ضرة تضايقها؛ فإن الزوجة الثانية تسمى: ضرة، وهي لا تحرم الحلال وإنما تقول له: هذا شرطي لا أرضى بزوجة ثانية، فإن رضيت بي زوجة وإلا فطلقني وتزوج من تريد.
فعلى هذا يوفي بهذا الشرط، إذا شرطت أن لا يتزوج عليها، إذا شرطت عليه ذلك والتزم به، فهو بالخيار إذا أراد الزواج إما أن يترك الزواج وإما أن يطلقها ويتزوج.
أما إذا شرطت شيئًا لها فيه مصلحة، كأن يسكنها بقرب أبويها، أو أن لا يخرج بها من بلادها أو مدينتها التي نشأت فيها فإن لها في هذا الشرط مصلحة فيلزمه أن يوفي به لدخوله في هذا الحديث، وقد روي عن بعض الصحابة أنهم أباحوا له أن يسافر بها ولو شرطت أن لا يخرجها، وقالوا: حق الزوج أقدم.
ولكن معلوم أنها قد تلقى مضايقة إذا سافرت إلى بلد آخر أو تلقى حرجًا، أو تفقد من يؤنسها أو نحو ذلك، فلها مصلحة في ذلك.
وهناك الشرط الذي فيه ظلم وجور، كما لو اشترطت أن يقسم لها أكثر من ضرتها، أن يعطيها -مثلًا- ليلتين وللأخرى ليلة، فهذا شرط فيه جور وظلم، أو شرطت أن يزيد لها في النفقة على ضرتها أو على بني جنسها، وكذلك في الكسوة ونحوها، فإن مثل هذا أيضًا فيه مشقة، وفي هذه الأزمنة تقع شروط من الولي ونحوه ولا بأس بها، فمثلًا تكون طالبة في إحدى المدارس أو الجامعات، فإذا شرطت أن تواصل دراستها فإن هذا شرط لها فيه مصلحة، فعليه أن يفي بهذا الشرط، وكذلك إذا كانت عاملة كمدرسة وشرطت أن تبقى في وظيفتها فإن لها ذلك ويلزمه الوفاء به؛ لدخوله في هذا الحديث، وإذا شرطت أن تكفى المئونة فإن لها ذلك.
وقديمًا كانت تشترط المرأة أمة تخدمها، فيشتري لها أمة تقوم بخدمتها، لكن في هذه الأزمنة انقطع الرق فلا يوجد إماء مملوكات، واعتاد الناس باستقدام الخدم من البلاد النائية، فصارت الزوجة تشترط أن يأتي لها بخادمة، وفي هذا شيء من الإحراج والمضايقة، ولكن إذا التزم بذلك فإنه يوفي لها بذلك، مع ما في ذلك من الحرج أو ما فيه من الحرام، أما شرط الزيارة لأبويها أو لأخوتها ونحو ذلك، أو شرط كفالة أولادها وحضانتهم من غيره فإن هذا أيضًا من المصالح التي فيها صلة للرحم، وفيها قيام بحقوق الأقارب، فعليه أن يفي بمثل هذه الشروط.