السباق على الخيل من السنة، بل قد يستحق صاحب الفرس السابق جائزة تشجيعًا له على ذلك، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا سبق إلا في نصلٍ أو خف أو حافر) ، والسبق هو: الجُعل الذي يبذل لمن سبق، فالجائزة التي تبذل للسابق تُسمى سبقًا، يعني: أجرةً وجائزة له تشجيعًا له على سبقه.
فجعل السبق يختص بهذه الثلاثة: السباق على الإبل، والسباق على الخيل، والسباق بالسهام التي هي الرمي، فالسباق بالرمي كأن ينصبون -مثلًا- هدفًا ثم يرمونه بسهامهم، فمن أصابه فله الجائزة، والذي يخطئ ليس له شيء، وهذا يجعلهم يعودون أنفسهم على الرمي.
وقد وردت الأحاديث في الأمر به، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال:60] قال: (ألا إن القوة الرمي) .
ويدخل في ذلك الرمي بالأسلحة الجديدة، كالرصاص المعروف الآن، وكل ما يلحق به مما فيه تعلمٌ للقتال على هذه الأسلحة فإنه داخلٌ في قوله: (ألا إن القوة الرمي) فيدخل فيه الرمي بالرصاص المعروف، والرمي بالمدافع ونحوها، والرمي بالقاذفات وما أشبهها، ولا شك أن ذلك كله يعتبر من الرمي، فيصح السباق عليه، ويصح أن ينصب هدفٌ، وأن يرميه الذين يريدون التعلم، ومن أصابه في أول مرة أخذ الجائزة.
كذلك أيضًا السباق على الإبل؛ وذلك لأن الإبل من جملة ما يطلب عليه العدو، فيصح أن يُسابق عليها، وقد كانوا يتسابقون على الإبل، ينظر أيها أشد جريًا وعَدَوًا، حتى تدرك من هرب، أو تنجو بمن هرب، أي: تدرك المطلوب، وتفوت الطالب.
وكذلك أيضًا الخيل.
فالحاصل: أن هذه الثلاثة هي التي تصح فيها الجوائز، وأما المسابقة على الأقدام فهي جائزة أيضًا، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سابقت النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته، فلما غشيني اللحم سابقته فسبقني، وقال: هذه بتلك) ، فالمسابقة على الأقدام جائزة؛ وما ذاك إلا أن فيها تمرينًا على شدة العدو والجري، والإنسان إذا عود نفسه سرعة السير وسرعة المشي وسرعة العدو كان ذلك مما يسبب قوته إذا هرب من عدوٍ، فقد تضطره الظروف أحيانًا إلى أن يهرب إذا كان مطلوبًا أو يطلب من هرب، فينجو ممن يطلبه، ويدرك من طلبه.
فيصح السباق على الأقدام، ولكن لا يصح بعوض.
كذلك يصح السباق على السفن وعلى الزوارق، ولكن إذا كان في بعض الأمور التي يسابق عليها شيءٌ من المخاطرة والمهاترة والإلقاء باليد إلى التهلكة والتعرض للأخطار فلا يجوز ذلك، كالمسابقة على السيارات أو الدبابات وما أشبهها،لما فيه من التعرض للأخطار؛ لأنه قد يكون من آثار السرعة حوادث انقلاب، أو حوادث اصطدام، أو نحو ذلك.
وبكل حالٍ فهذا الحديث دليلٌ على جواز المسابقة على هذه الأشياء، وإذا جازت المسابقة جاز جنسها، وجاز كل شيء فيه تشجيع على القتال، وفيه حث على إعداد القوة لمواجهة المشركين بكل ما يستطاع.
وعلى هذا نقول: إن على الإنسان أن يهيئ نفسه، فالنبي صلى الله عليه وسلم حث أصحابه على أن يتهيئوا لتعلم الرمي، وأن يتهيئوا لركوب الخيل، وأن يتعلموا ركوب الخيل والجري عليها، ولما شكا إليه بعض أصحابه -وهو جرير بن عبد الله البجلي - أنه لا يثبت على الخيل دعا له وقال: (اللهم ثبته) ، فكان بعد ذلك يثبت عليها، فدعا له بالثبات عليها، وحثهم على أن يتعلموا ركوبها، وأن يتعلموا الثبات والجري عليها؛ لأن في ذلك تقوية وتمرينًا لهم على القتال ونحوه.
ونقول أيضًا: علينا أن نتعلم الرمي بالأسلحة الجديدة التي يُقاتَل بها العدو في هذه الأزمنة، وما ذاك إلا أن فيها استعدادًا للعدو الذي قد يأتي فجأة وبغتة، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يقاتل، ولم يتعلم القتال والرمي ولا الجري، ولم يتعلم استخدام الأسلحة الثقيلة أو الخفيفة، ولم يتدرب على شيء من ذلك؛ أصبح كلًا على المجتمع، ولم يستفد المجتمع منه بشيء، بخلاف ما إذا كان قد درب نفسه وعودها على الثبات، وعلى الرمي، وعلى الكر والفر، وعلى الأسلحة الجديدة ونحوها، وعرف كيف تُستعمل، وعرف كيفية إصلاحها، وعرف كيف يصيب بها، فكل ذلك بلا شك من جملة ما أُمرنا به بقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [الأنفال:60] ، فكل شيءٍ تستطيعه في القضاء على الأعداء فإنك تفعله، وبذلك نستطيع أن نذل كل عدوٍ، لكن إذا أصلحنا علاقتنا مع الله تعالى، فهو الذي ينصر من استنصره، وهو الذي ينزل النصر على من ثبته، ولكن مع ذلك لابد من فعل سبب ليكون هذا السبب مقويًا أو مثبتًا للإنسان على الخير.