الطلاق أكثر من مرة يعتبر طلاق بدعة، والسنة أن يطلق واحدة، فإن طلق اثنتين قيل: هذا طلاق بدعة، وإن طلق ثلاثًا قيل: هذا طلاق بدعة، والطلاق في الحيض بدعة، والطلاق في طهر وطئ فيه بدعة، والجمهور على أنه يقع الطلاق البدعي ويحسب عليه عقوبة له، وقد ثبت أن رجلًا جاء إلى ابن عباس رضي الله عنه فقال: إني طلقت امرأتي مائة طلقة فقال: بانت منك بثلاث طلقات، وسبع وتسعون وبال عليك، اتخذت بها آيات الله هزوًا.
فأبانها بينونة كبرى بثلاث، وجعل البقية وبالًا عليه، فهذا دليل على أنها تعد عليه ولو جمعها.
وبكل حال فالطلاق كما عرفنا تخلية نكاح المرأة وفراقها، وقد ذكرنا أنها تتعلق به الأحكام الخمسة، فيكون مباحًا إذا احتاج إلى الطلاق وضجر من الحياة معها، ويكون مندوبًا إذا كانت المرأة متضررة من سوء الصحبة وبحاجة إلى أن تفتدي، فيستحب أن يطلقها ولا يحوجها إلى فدية، ويكون حرامًا إذا كان الطلاق في حيض أو في طهر وطئ فيه ونحو ذلك، فيعتبر حرامًا؛ لأنه طلاق بدعة، ويكون واجبًا إذا آلى من زوجته ألا يطأها أكثر من أربعة أشهر، فإنه بعد الأربعة الأشهر يجب عليه أن يرجع عن يمينه أو يطلق.
إذًا: يكون واجبًا للإيلاء، وحرامًا للبدعة، ومكروهًا لغير الحاجة، فإذا حسنت الصحبة بين الزوجين واستقامت الحال فإنه يكره أن يطلقها؛ لأن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، ولأنه قد يندم بعدما يقع الطلاق وقد يصعب بعد ذلك تلافيه.
وقد وردت الأدلة على الأمر بالتغاضي من الزوج عما يرى من زوجته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وكسرها طلاقها) ، فأمره أن يصبر على ما يرى فيها من عوج ومن نقص، ومن عيب، ويتحمل ذلك، ويصبر على ما يسمع أو على ما يرى؛ وذلك لما يتسبب عن الطلاق من الفرقة وشتات الأولاد وندم الزوج أو الزوجة على ما وقع منهما أو من أحدهما.
وكذلك أيضًا المرأة مأمورة أن تتحمل، وذلك فيما إذا كان الزوج سيئ العشرة، سيء الصحبة، شرسًا حقودًا غضوبًا شديدًا شرس الأخلاق، ضيق العطن، بذيء الكلام، سبابًا شتامًا ضرابًا، شديد الأذى على زوجته، فإنها تتحمل وتصبر وتصابر إلى أن تستقيم حاله، وأما إذا كانت حالته مستقيمة ليس عليها ضرر، فليس لها حق أن تطلب الطلاق؛ وذلك لقول صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة سألت الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) ، والبأس هو: الضرر.
فإذا كان الزوج قد أوفى لها متطلباتها، وأرغد عليها نفقتها وكسوتها، وقام بحقها ولم تجد منه ضررًا، ولم تجد منه نقصًا ولا قصورًا في شيء من أمور الحياة؛ فلا يجوز لها أن تطلب الفراق حتى ولو تزوج غيرها اثنتين أو ثلاثًا، فليس لها أن تطلب الطلاق ما دام أنه لا ضرر عليها ولا مشقة، فمتى تحمل كل من الزوجين ما يجده من الآخر، وصبر على ذلك؛ استقامت الحال وحسنت الصحبة.