في الحديث الأول: عن أنس رضي الله عنه ذكر أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت خفيفة تامة، وأنه ما صلى خلف إمام أخف ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأن أنسًا رضي الله عنه صلى خلفه عشر سنين؛ لأنه كان يخدمه فكان ملازمًا له في السفر وفي الحضر، وهذه المدة لا شك أن لها أثرًا في معرفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صلى بعده خلف بعض الأئمة كالخلفاء، وكذلك أئمة في البصرة؛ لأن أنسًا انتقل إلى البصرة واستوطنها حتى توفي بها.
فيذكر أن الذين صلى خلفهم لم تكن صلاتهم مثل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الخفة والتمام، والحاصل أنه يفيد أنها تامة وكذلك خفيفة، تمامها: أنه يتم الأركان، فيتم الركوع والسجود ويطمئن فيها اطمئنانًا كاملًا، ويأتي فيها بالأذكار التامة.
وثبت في حديث عن أنس نفسه رضي الله عنه: أنه صلى خلف عمر بن عبد العزيز عندما كان أميرًا على المدينة، يقول: شهدت لـ عمر بأنه كان أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فحسب تسبيحاته في الركوع والسجود عشرًا عشرًا، أي: أنه إذا ركع سبح عشرًا بقوله: سبحان ربي العظيم، وإذا سجد سبح عشرًا بقوله: سبحان ربي الأعلى، فهذا هو التمام.
قوله: (أتم) : التمام كونه يأتي بها باطمئنان، ووجد بعده من يطيل في القراءة ويخفف في الركوع وفي السجود، أو يطيل في الجميع إطالة مملة، أو نحو ذلك، فأنكر عليهم أنس وقال: خففوا وأتموا لا تنقروها نقرًا فتكونوا مخالفين للطمأنينة، ولا تطيلوها إطالة طويلة فتكونوا منفرين، بل استعملوا الوسط الذي هو التمام، والتخفيف الذي ليس بمنفر.
وقد تقدم أن بعض النقارين استدل بحديث معاذ في النهي عن الإطالة على النقر، فيقال: ليس الأمر مع هؤلاء النقارين الذين ينقرون الصلاة نقرًا، ولا مع أولئك المنفرين الذين يمكث أحدهم في الصلاة ساعة أو أكثر فيكون بذلك منفرًا، بل الوسط هو خير الأمور.