فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 1083

كذلك بعد الصلوات أمره بالزكاة، وأخبره بأنها صدقة، وذلك لأنها تدل على صدق من بذلها وتصديقه، فإذا قام بها وأداها اعتبر من المصدقين.

واسمها في الحقيقة زكاة، فسماها هنا صدقة، وذكر أهلها وذكر من تجب عليه فقال: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) ، والأغنياء: هم الذين يملكون من المال نصابًا كما في حديث أبي سعيد، والفقراء: هم الذين لا يملكون إلا أقل من قوتهم الكافي.

فجعل هؤلاء هم أهلها الذين يستحقونها.

فتؤخذ من أغنيائهم، يعني: اقبضها من هؤلاء وفرقها على هؤلاء، وليس القصد من الزكاة أن تجبى إلى بيت المال، وأن يستكثر منها، وليس القصد من الزكاة أن يأخذها الأغنياء ويستبدوا بها، بل القصد منها أن تكون مخففة لفقر أولئك الفقراء، وذلك لأن الله تعالى لم يسوِ بين خلقه، بل جعل فيهم غنيًا وفقيرًا ومتوسطًا، فهذا الفقير الذي لا يجد القوت، أو لا يجد إلا بعض القوت، أو لا يجد إلا قوت بعض السنة أو بعض الشهر يشاهد أصحاب الأموال الذين يكون عندهم فضل أموال، ويكون عندهم زيادة كثيرة عن أقواتهم، فيبقى محرومًا ليس له حق في ذلك، وهذا لا يأتي به الإسلام، ولا تأتي به شريعة سمحاء.

فجعل الله في أموال الأغنياء حقًا لهؤلاء المساكين والفقراء حتى يخفف ما هم فيه وما أصابهم من الفقر والفاقة وشدة المئونة، وحتى يسدوا بذلك جوعتهم وجوعة أطفالهم، ويكسوا بذلك عوراتهم، ولا يبقوا متضررين طوال حياتهم، فهذه هي الحكمة في قوله: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) .

وهذا هو العدل، ليس كما تفعل الرأسمالية الذين ليس لأحدهم هم إلا أن يجمع المال وأن يمسكه، ولا يرى فيه حقًا لله، ولا يرى فيه حقًا لأي إنسان، بل يجمع الأموال ويكدسها كعادة هؤلاء المستبدين، وليس كغير ذلك من الشرائع، بل الشريعة جعلت في هذا المال جزءًا يسيرًا، فجعلت فيه -مثلًا- ربع العشر إذا كان من الفضة والذهب، أو أقل من ربع العشر إذا كان من الغنم، ففي الأربعين واحدة، وهي ربع العشر، وقد يكون فيه أقل من ربع العشر، كما إذا كان عند الإنسان مائة من الغنم، فليس فيها إلا شاة واحدة، وهذا جزء يسير من هذا المال لا يضر بصاحبه، فهذا حق للفقراء يعطونه من أموال الأغنياء، ليخفف الفقر عنهم ويوسع عليهم، وذلك أن الله ابتلى الأغنياء بالفقراء.

ولو كان الناس كلهم متساوين في الغنى لما وجد هؤلاء الأغنياء مصرفًا لأموال زكواتهم، ولكن الله من حكمته أن فاوت بين الناس في المكاسب وفي الحيل وفي جمع المال، حتى يجمع بعض الناس أموالًا يكون فيها حق، ويكونون بذلك أغنياء، فتؤخذ منهم وتعطى للفقراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت