الحمر والبغال كانت حلالًا في أول الإسلام، ثم حرمت في سنة سبع، واستقر الأمر على تحريم هذا الحمار الأهلي، والمراد بالحمر الأهلية الحمر التي تركب وينتفع بها في الركوب وفي الحمل عليها ونحو ذلك، والحمار الأهلي ينتفع به في الركوب، وذلك لأنه يصبر على الركوب، وقد يكون سيره أسرع من سير الإبل أو قريبًا منها، وإن كان لا يحمل عليه الأثقال الكبار، ولا يركب إلى البلاد البعيدة؛ لكونه لا يحمل شيئًا كثيرًا غير الراكب ونحوه، ولكن هو مما سخره الله للركوب كما في قوله: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل:8] ، ولكن ورد ذم صوته: {إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19] وفي هذا ذم له من هذا الوجه، وورد أيضًا ذمه في آية أخرى في قوله: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة:5] فالحمار معروف أنه لا يستفيد من حمل الأسفار يعني: من حمل الكتب، فجعله مثلًا للذين {حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} [الجمعة:5] وهذا يفهم منه أنه مذموم؛ فلأجل هذا ورد تحريم أكل الحمر الأهلية، وذلك أنهم لما كانوا في غزوة خيبر في أول سنة سبع من الهجرة، وحاصروا خيبر، كأنه أصاب بعضهم جوع، فلم يجدوا أقرب من هذه الحمر فذبحوها، سواء كانت ملكًا لهم أو غنيمة مما غنموه من دواب أهل خيبر، فذبحوها ونصبوا القدور في ليلة مظلمة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: (ما هذه القدور؟ أو قال: على أي شيء توقد هذه القدور؟ قالوا: على لحم الحمر الإنسية، فقال: أهريقوها واكسروها -من باب الغضب- قالوا: أونهريقها ونغسلها؟ قال: أو ذاك) ، ومشى هو وبعض صحابته، وأخذوا يهرقون تلك اللحوم التي في القدور، وأخذ يدوسها في التراب ويتربها ونادى في تلك الليال: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس) ، وفي رواية: (ركس) ، وتكاثرت الأحاديث في أنه صلى الله عليه وسلم نهى في تلك الليالي عن لحوم الحمر الأهلية، ولو كانت من بهيمة الأنعام، ولو كانت مما يركب ويعلف، لكن لم يذكر العلة، ولعله قذارتها، فإنها قد تتغذى بالنجاسات، فقد تأكل العذرة والنجاسات وتتغذى بها، وإن كان ذلك ليس أغلبيًا؛ لأنها في الأصل تأكل من النباتات ونحوها.
فبكل حال جاءت هذه الأحاديث صريحة بالنهي عنها، وعمل بها جمهور الأمة، وقالوا: إنها محرمة الأكل لهذه الأحاديث، فلا تؤكل وإنما ينتفع بها، واتفقوا على طهارة عرقها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمار الأهلي، ويردف عليه، وكان يركبه بدون وقاية، ولا شك أنه قد يعرق وهو عليه، ولم يكن يغسل ثيابه من عرق الحمار، فدل على طهارة عرقه، وكذلك طهارة سؤره، فإذا شرب من ماء فلا بأس أن يشرب منه أو يتوضأ من سؤره إذا عرف أنه لم يأكل نجاسة، فهو من الطاهرات إلا أنه سمى لحمه رجسًا في قوله: (فإنها رجس) ، والرجس هو النجس الذي وصف الله به بعض المحرمات كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة:90] فكذلك جعل لحوم الحمر الأهلية رجسًا فعمل بذلك أغلب الأئمة، وذهب بعض الصحابة -كما روي عن ابن عباس - وبعض الأئمة -وهو رواية عن الشافعي - أنه يباح أكلها كبهيمة الأنعام، وجعلوا النهي عنها خاصًا، وقالوا: إنما نهى عنها في خيبر؛ لأنها كانت حمولة الناس، وخاف أنهم إذا ذبحوها لم يبق لهم ما يحملون عليه أو ما يركبونه، ولكن هذا لا يوافق ما ذكر من قوله: (فإنها رجس) ، وعلى هذا؛ فالقول المعتمد لأئمة المسلمين أنها محرمة الأكل، وأنه لا ينتفع بلحمها لا أكلًا ولا انتفاعًا، وأن لبنها أيضًا نجس، حيث إنها نجسة -يعني: لحمها- فكذلك لبنها، وشحمها، وما يؤخذ منها بعد موتها، كل ذلك منهي عنه بموجب هذه الأحاديث.