أما قوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والدخول على النساء! فقال رجل: أفرأيت الحمو؟ فقال: الحمو الموت) وفسر الحمو بأنه أخو الزوج أو قريبه كابن عمه ونحوه فالحديث يدل على النهي عن الخلوة بالمرأة الأجنبية والدخول عليها دخولًا في ريبة، وذلك لأنه يخاف من هذه الخلوة أن يوسوس الشيطان بينهما؛ فإن الشيطان ثالثهما، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) أي: كان الشيطان يوسوس بينهما إلى أن يقرب أحدهما إلى الأخر فيوقع بينهما شيئًا من الفاحشة أو مقاربة الفاحشة.
هذا هو الذي حث وحذر النبي صلى الله عليه وسلم على البعد عنه، أي: الخلوة بالنساء الأجنبيات.
والمراد بالنساء هنا غير المحارم؛ لأن المحارم لا مانع من الخلوة بهن، فالرجل يخلو بأمه وبابنته وبأخته وببنت أخيه وبعمته وخالته ونحوهن ولا تحدثه نفسه بالميل إليهن ولا بمقارفة فعل الفاحشة معهن، ولا يفعل ذلك إلا أفسق الناس وأفجرهم، وإن وقع من أفراد فلا يكونون عبرة، إنما المراد إذا كان أجنبيًا عن هذه المرأة، حتى ولو كانت من أقاربه كابنة عم وابنة خال، وكذلك زوجة أخ أو أخت زوجة أو نحو ذلك، فهذه لها قرابة وهذه لها مصاهرة، وبعض الناس يتجرأ على أن يدخل في بيت أخيه وليس فيه إلا تلك المرأة، ويتجرأ أيضًا على دخول بيت عمه أو خاله، وكذلك بيت أخيه ويخلو بزوجة أخيه أو بأخت زوجته أو نحوهن ويدعي أنه من أهل البيت وأنه لا محذور في خلوته بها فتراه لا يستنكر أن يطرق باب أخيه فتفتح له تلك الزوجة فيدخل وقد لا يكون عندها أحد، وهذا هو المحذور.
والوقائع التي تقع فيها مفاسد مما حذر عنه في هذا الحديث كثيرة وشهيرة، ولما لم يعمل كثير من الناس بهذا الحديث صار الأخ يخرج ويترك زوجته وليس معها أحد وليس في البيت سوى أخيه وزوجته فيخلو أخوه بتلك الزوجة، وقد يوسوس بينهما الشيطان إلى أن يقرب بينهما فيوقع بينهما فعل الفاحشة أو مقاربتها، وذلك أنه قد يثق بأن أخاه لا يقرب محارمه، ويقول: هو أخي لا يمكن أن يخونني ولا يمكن أن يسيء إليّ؛ لأني أنا الذي أحسن إليه، وأنا الذي آويته في بيتي وهو لا يزال عزبًا.
أو: أنا الذي أنفقت عليه وأحسنت إليه، فلا يمكن أن يخون.
فنقول: هذا وإن كان مجربًا أو معروفًا لكن لا تنبغي الثقة كل الثقة بكل أحد؛ فإنه قد لا يكون له ميل إليها، لكن هي قد تتبرج أمامه وتدفعه إلى نفسها، أو هو قد يراودها ويحاول أن يعرض عليها نفسه أو ما يشبه ذلك، فتقع الفاحشة أو مقاربتها، فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر في هذا الحديث من الخلوة بها حتى ولو كان أخا الزوج فقال: (الحمو الموت) ، وهذه كلمه معتادة مسموعة كثيرًا، يقال: هذا هو الموت.
بمعنى أنه الخطر الكبير، لماذا؟ لأن الناس لا يستنكرون خلوته، ولا يستنكرون أن يطرق باب أخيه ثم يدخل، ولا يستنكرون أن يعطيه أخوة مفتاحًا لبيته يدخل كلما جاء وكلما أراد.
ولعل هذا أيضًا فيما إذا لم يكن في البيت إلا امرأة واحدة، أما إذا كان فيه عدد من النساء فقد يكون ذلك أقرب إلى السلامة، وكذلك أيضًا إذا كان فيه أطفال أو فيه محارم له، كما إذا كان فيه زوجته أو أمه أو نحو ذلك فالأمر أسهل، ومع ذلك فإن الخلوة بالمرأة الأجنبية خطر كبير دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لرجل أن يخلو بامرأة إلا مع ذي محرم) .
فعلى المسلم أن يكون غيورًا على محارمه، وأن يهتم بمحافظته على أن لا يخلو بهن أجنبي، سواء السائق الذي يدخل بها وحدها أو يزور بها الأماكن والأسواق ونحو ذلك وهو منفردًا بها، أو غيره، ولا يجوز أن يدخل في البيت عليها وليس عندها أحد، حتى ولو كانت قريبة منه، فقد تأتي وتناوله القهوة مثلًا أو الأكل أو الشراب أو ما يشبه ذلك، فإذا دخلت إليه فلربما كلمها وألان لها القول وخضع كلًا منهما بالقول الذي نهى الله عنه بقوله: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب:32] ، فيقرب بينهما الشيطان إلى أن يقع ما نهى الله عنه وما هو المحذور، فإذا احتاط الإنسان ولم يأذن لامرأته في إدخال أحد وهو غائب، أو جعل عندها امرأة ثانية أو ما يشبه ذلك كان ذلك أقرب إلى السلامة، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.