حديث: (يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة، ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان) أورد المؤلف هذا الحديث لبيان أن الأمان يجب الوفاء به، وكذلك العهد، وكذلك الذمة، كل ذلك يجب الوفاء به، ويحرم الغدر والخيانة وترك الوفاء بما التزمه المسلم.
وصورة ذلك: أن يطلب بعض الكفار الأمان، فيقولون: نطلب الأمان، أو نطلب الهدنة والصلح، أو نطلب أن نتعاهد على ألا يقاتل بعضنا بعضًا مدة شهر أو سنة أو سنوات، حتى نستجم، ونريح أنفسنا، ويلتقي بعضنا ببعض، ونجول في الأرض، ونتقلب فيها لما نحتاجه، ثم بعد ذلك إذا انقضت نعود إلى ما كنا عليه من القتال حتى ينتصر من ينصره الله، وكما كان في عمرة الحديبية حين اصطلح النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش على المعاهدة، فتعاهدوا على وضع الحرب عشر سنين، فلا يقاتل بعضهم بعضًا، وقُصد بذلك أن يأمن الناس على أموالهم وعلى دمائهم، وأن يتمكن الدعاة من الدعوة إلى التوحيد، فالتزم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا العهد ووفى به، ولكن قريشًا لم يوفوا بما عاهدوا عليه، بل نقضوا العهد؛ وذلك لأن خزاعة كانوا قد دخلوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبنو بكر دخلوا في عهد قريش، فوقع أن بني بكر غدروا، وأمدتهم قريش بالمال وبالرجال وقاتلوا خزاعة، وكان هذا هو النقض الذي نقضوا به العهد، فأرسلت خزاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبرونه بأن قريشًا قد نقضوا الميثاق ونقضوا العهد، فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلم في سنة ثمان، وحصل فتح مكة، فكفار قريش هم الذين نقضوا العهد، أما النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون فما نقضوا العهد؛ لأنه يحث دائمًا على الوفاء بالعهد، والله تعالى يحث على ذلك كقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل:91] ، وكقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء:34] ، وكقوله تعالى: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} [الأنعام:152] ، فإذا قال الإنسان: أعاهد الله أنني لا أخونكم، ولا أفشي أسراركم، ولا أطلع عليها أحدًا من الأضداد، ولا أتكلم فيكم؛ فله ذلك، وكان لزامًا عليه الوفاء بهذا العهد وعدم نقضه.
فإذا نقضه وخان فإن هذه الخيانة وهذا النقض خصلة مذمومة، بل هي من خصال النفاق، كما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا حدث كذب) ، فذكر من جملتها الغدر، فقوله: (إذا عاهد) يعني: كذب في عهده ولم يوف به، فالغادر هو الذي ينقض العهد، فيؤمن إنسانًا، فإذا أمنه بعد ذلك قتله، ويعتبر هذا مما يعاقب الله عليه، فيرفع للغادر لواء يوم القيامة يعرف به، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان؛ لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ على الوفاء بالعهد، وينهى عن الكذب وعن الغدر.
وأما ما يحتج به بعضهم من أن الحرب خدعة، فإن هذا لا يصلح دليلًا؛ لأن قوله: (الحرب خدعة) بمعنى: أنك تخدعهم إذا رأيتهم مجتمعين، وأتيتهم على أنك ليس بينك وبينهم عهد ولا ذمة ولا أمان، فتأتيهم كأنك مسالم أو نحو ذلك، وأنت تقصد بذلك قتالهم، أو تأتيهم وهم غافلون ونحو ذلك، كما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون، فهذا من الحرب الذي قال فيه: (الحرب خدعة) ، ولا يصلح أن يكون فيه نقض للعهد، ولا الخيانة، ولا نقض الأمان ونحو ذلك، بل هذه الثلاثة: العهد، والأمان، والذمة، يجب الوفاء بها، ولا يجوز نقضها بحال مع كافر أو مع مسلم.