حديث أبي بكرة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان) ، وهذا تأديب من النبي صلى الله عليه وسلم للقضاة، وكأنه أراد أن القاضي يحكم في حالة قد اطمأن فيها قلبه، وقد ارتاح فيها بدنه، ولا يحكم إلا بعد التروي، وبعد التعقل، وبعد تتبع الحجج، وبعد التفقه فيها، وبعد النظر، وبعد البحث، وبعد معرفة صحة أو بطلان ما يدعيه وما يقوله كل منهما، وهذا لا يحصل إذا حكم وهو غضبان، والغضب قد يكون بسبب أحدهما، فقد يتكلم عليه أحدهما ويقول له مثلًا: أنت جائر، أو أنت خصم، أو أنت تحكم بالهوى، أو نحو ذلك، فيغضب من هذه الكلمة، فإذا أغضبه فلا يحق له أن يوقع به؛ وذلك لأن الخصمين دائمًا كل منهما يوجه سبابًا وكلامًا بذيئًا على خصمه، فلا يستنكر هذا.
وهكذا إذا رأى أحد الخصمين من القاضي إقبالًا على أحد الخصمين؛ فقد يتهمه بأنه يميل معه، فيلقي له كلمة، فالقاضي الذي يسمع مثل هذه الكلمة لا يعيرها اهتمامًا، وإذا غضب فعليه أن يتوقف عن القضاء، ولا يحكم في تلك الحال، حتى يهدأ ويذهب عنه الغضب؛ لأنه إذا حكم وهو غضبان فربما ظهر في قضائه ميل نحو الخصم الذي أغضبه أو سبه أو عابه أو قدح في عدالته، فيكون ذلك ظلمًا وجورًا، وهذا لا يجوز في الشرع.