أما إذا كان الجماع عمدًا سواء تذكره الزوجان أو تذكره أحدهما فإن فيه الكفارة، وقد دل عليها هذا الحديث الذي ذكره المصنف، وهي كفارة مثل كفارة الظهار.
فهذا الرجل ذكر أنه وقع في مهلكة، فقد عرف أن الجماع في نهار رمضان ذنب كبير، ولأجل ذلك قال: هلكت.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أهلكك؟) فأخبر بأنه وطئ امرأته في نهار رمضان، فهو يعرف أنه حرام ويعرف أنه ذنب وأن فيه هلكة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه، ولم يشدد عليه بالتقريع، بل عذره؛ لأن الغالب أنه غلبته شهوته فلم يتمالك نفسه أن وقع في الجماع.
وبالمناسبة نقول: أولًا: كثيرًا ما يقع هذا من الشباب، وبالأخص إذا تزوج قرب رمضان فإنه تغلبه الشهوة حتى في النهار، فيقع منه إفساد أيام كثيرة أو قليلة، فلأجل ذلك يستحب أن يؤخره إلى بعد رمضان، أو يقدمه على رمضان بأشهر.
ثانيًا: إذا كان ممن تثور شهوته بمجرد المقاربة فلا يقرب من زوجته أو لا تقرب منه في نهار رمضان، بل ينام كل منهما على فراش بعيدًا عن الآخر.
ثالثًا: إذا أحس بثوران شهوته فعليه أن يبتعد حتى تبرد شهوته، فإن غلبته فليس له الوطء، بل يخففها بالمباشرة أو نحو ذلك؛ فإن في المباشرة إبطالًا للصيام ولكن لا تلزم الكفارة، والمباشرة تعني مجرد اللمس والضم والتقبيل إلى أن يحصل الإنزال، أو نحو ذلك.
أما إذا غلبته نفسه فوقع في الجماع، ولم تندفع شهوته إلا بالإيلاج ففي هذه الحالة عليه الكفارة على الترتيب ككفارة الظهار، فيقال له: أعتق رقبة، وهي -على الصحيح- رقبة مؤمنة سالمة من العيوب المخلة بالعمل، فلابد أن تكون سالمة من كل عيب يخل بالعمل أو يضر به ضررًا بينًا.
وإذا لم يجد رقبة أو لم يجد ثمنها ولم يستطع شراءها انتقل إلى صيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا لعذر كمرض أو سفر ضروري، ويكفيه شهران هلاليان، ولو كان أحدهما ناقصًا أو كانا ناقصين.
فإذا لم يستطع انتقل إلى الإطعام، فيطعم ستين مسكينًا، والمساكين هم الذين تحل لهم الزكاة، فيطعم كل واحد منهم نصف صاع من الطعام المعتاد الذي يأكله هو وأهله، ويجوز أن يجمعهم جميعًا ويغديهم أو يعشيهم أو يعطيهم ما يكفيهم، فهذه كفارة الوطء في نهار رمضان.
بعد ذلك نقول: إذا لم يجد كما في حال هذا الرجل، حيث كان فقيرًا، فلما جيء النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الطعام الذي في المكتل - إذ العرق مكتل يسع خمسة عشر صاعًا- قال: تصدق به على المساكين، فأخبر بأنهم فقراء، وأن أهل بيته هم أفقر أهل المدينة التي بين الحرتين؛ لأن المدينة بين حرتين حرة في الشرق وحرة في الغرب، والحرة: هي الأرض التي تركبها حجارة سوداء.
فقال: ما بين لابتيها -أي: الحرتين- أهل بيت أفقر منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجبًا منه، حيث جاء وهو في غاية الوجل وفي غاية الخوف، وجاء وهو مشفق يخشى من العقوبة، ويخشى أنه وقع في مصيبة، وأنه ليس له التخلص من هذه المصيبة، ولا يدري ماذا يحكم عليه به، فلما رأى رقة النبي صلى الله عليه وسلم وانتقاله من حالة إلى حالة، حيث عذره لما لم يجد الرقبة، وعذره لما لم يستطع الصيام، فعند ذلك رجا أن يعذره لما لم يجد الإطعام، ورجا -أيضًا- أن يعذره لما وجد الطعام فيطعمه أهله، فطلب أن يطعم أهله هذا الطعام، وقال: ليس هناك أحد أحوج إلى هذا الطعام من أهل بيتنا، فأمره بأن يطعمه أهله.
قال العلماء: لم يأمره أن يقضي إذا وجد، فدل على أنها تسقط بالعجز، فإذا لم يجد الإطعام سقطت عنه إلى غير بدل، ولكن عليه أن يقضي اليوم الذي أفسده، وعليه أن يتقي الله فلا يعود؛ لأن الكفارات شرعت للزجر عن مثل هذه الأمور، فهذه الكفارة كفارة فيها شيء من القوة، وفيها شيء من الشدة، ومع ذلك تساهل النبي صلى الله عليه وسلم حتى جعل الطعام الذي يتصدق به طعامًا لأهله، فأباح له أن يأكله هو وأهله.