أما المزارعة فصورتها: أن يكون لك أرض لا تقدر على الزرع فيها، وهناك رجلٌ لا يملك أرضًا ولكنه متفرغ يحسن أن يزرعها، فتتفقان على أن منك الأرض ومنه الزرع، وأن لك نسبة من هذا الزرع؛ إما الثلث أو الربع أو النصف، بقدر ما تتفقان عليه، فلا بأس بذلك.
ويجوز أن تدفع شيئًا ويدفع هو شيئًا، فمثلًا: إذا دفعت أنت البذر وزدت في نصيبك جاز ذلك، ولا يجوز أن تقول: أدفع البذر مثلًا مائة صاع وإذا حصد الزرع أخذت المائة مقدمًا والباقي بيننا نصفين، لماذا لا يجوز؟ مخافة أن يقل الزرع وأن يقل البر الذي يحصد منه بسبب مصيبة أو برد أو جراد أو نحو ذلك، فلا يغل إلا قدر البذر ونحوها، فيذهب سعيه وتعبه خسارة، فلذلك قالوا: لابد أن يكون للعامل نسبة كنصف أو ثلث أو نحو ذلك.
وهذا يسمى المزارعة، وتصح المزارعة بأجرة معينة محددة وتكون كأنك أجرت أرضك بدراهم معينه، وقلت: ازرع هذه السنة وأعطني أجرتها ألف ريال أو ألفين، فيجوز ذلك إن شاء الله.
فالحاصل أن المزارعة تصح حسب ما يتفق عليه الطرفان، ولابد أن يكون بينهما شروط، والمسلمون على شروطهم، فإذا شرط العامل مثلًا أن النفقة على رب الأرض، يعني: الماكنة مثلًا، أو الرشاش الجديد، أو عليه البترول والوقود الذي توقد به الماكينة، والزيوت التي تحتاجها، فله شرطه؛ فإن شرطها صاحب الأرض على العامل فله شرطه، ويقوم العامل بقسط من المال الذي تحتاجه هذه المزرعة، أو بالمال الذي تحتاجه.
وبكل حال فالمزارعة من المرافق التي جاء الإسلام بالحث عليها أو إباحتها، وذلك لأن هذه الأرض لو بقيت معطلة فلن يحصل الانتفاع بها، وليس كل من ملك أرضًا يقدر على استغلالها، فلأجل ذلك جاز أن يتفق الطرفان على استغلالها.
وليس كل إنسان له القدرة على العمل وعلى الحرث يجد أرضًا، فإذا تساعدا فكان من هذا الأرض والوقود والنفقة، ومن هذا العمل، وكان الناتج بينهما على حسب ما يتفقان عليه، انتفع كل واحد منهما وحصل له مصلحة.
هذا بالنسبة إلى المزارعة؛ وذلك لأن خيبر كانت فيها أرض تزرع فكانوا يزرعونها بالنصف، ولم يذكر أن المسلمين يدفعون البذر، ولم يكونوا يدفعون شيئًا من النفقة في إخراج الماء، وذلك لأن أرض خيبر في ذلك الزمان كان فيها عيون تنبع من الأرض، ثم يفجرونها ويسقون بها الزرع ويسقون بها النخيل، أما في هذه الأزمنة فقد غارت تلك العيون، وإن كان بقي منها قليل إذا حفر نبع، ولكنها نزلت كثيرًا، وإذا كثرت السيول زادت ونفعت، فمع ذلك كان المسلمون لهم النصف من الزرع؛ لأن النفقة يسيرة، وإنما كانوا يفجرون هذا النهر ثم يسقون به هذا الزرع.
كان منهم البذر والحرث والحصاد والتصفية، ومن المسلمين الماء، لأن هذا النبع ملك للمسلمين، والأرض ملك للمسلمين، ومع ذلك صار لهؤلاء النصف لعملهم ولبذرهم، ولهؤلاء النصف لملكيتهم الأرض والماء.
أما النخل فبلا شك أنه كان فيها نخل كثير، وكان لها ثمر كثير، بل يضرب المثل بخيبر حتى قال بعض الصحابة: (ما شبعنا من التمر حتى فتحت خيبر) ، أي: حتى فتحوها وصار لهم النصف، فكان يأتيهم من التمور الشيء الذي يأكلون منه ويشبعون ويبيعون ويتصدقون، ويبقى النصف لأهل خيبر الذين هم اليهود.
فالنخيل فيها منافع كثيرة ومتنوعة بأنواع كثيرة، وكلما سقطت نخلة غرس بدلها أخرى في مكانها أو قريبًا منها، فهذا بالنسبة للنخل.
كذلك النخل يحتاج إلى سقي وإن كان الماء نابعًا، ويحتاج إلى زبر وهو قطع الشوك، ويحتاج إلى تلقيح كما هو معروف، وإلى تركيب بأن يركب القنو على سعف النخل وجريده، حتى لا يسقط، ويحتاج أيضًا إٍلى تصفية فهو يحتاج إلى عمل، فلليهود النصف مقابل عملهم، وللمسلمين النصف مقابل مالهم وملكيتهم.
فأخذوا من ذلك أنه يجوز أن يؤجر صاحب النخل نخله لمن يحرثه، ولمن يسقيه، وله قسط من ثمرته، حسب ما يتفقان عليه، فإن دفع المالك نفقة السقي والماكنة -مثلًا- وإصلاحها ونحو ذلك، ولم يبق على العامل إلا العمل، فله ما يعادل عمله أو يقاربه، وإن لم يدفع له شيئًا وقال: أسقها وعليك مئونة السقي، جاز ذلك أيضًا.
فالحاصل أن هذا جائز، وإذا كان فيها شجر غير النخل كالعنب مثلًا والتين والزيتون والخضار، والفواكه الأخرى كالليمون والبرتقال وما أشبهه؛ فإن ثمارها أيضًا تقسم بينهما حسب ما يتفقان عليه؛ وذلك لأن ذلك كله مما يحتاج إلى سقي، ويحتاج إلى إصلاح ويحتاج إلى عمل، فالعامل يريد قسطًا من ثمره، وإنما ينتفع بالثمر غالبًا ولا ينتفع بالأعواد ولا بالأوراق، هذا بالنسبة إلى المساقاة.