فهرس الكتاب

الصفحة 928 من 1083

معلوم أن الخمر قد حرمت بعدما كانت تشرب في أول الإسلام، وكانوا في الجاهلية يتفاخرون بشربها، حتى يقول حسان وهو يصف حاله قبل أن يسلم: ونشربها فتتركنا ملوكًا وأسدًا لا ينهنهنا اللقاء ولكن أقروا عليها في أول الأمر وفي أول الإسلام لأنهم قد ألفوها، ويصعب عليهم كثيرًا أن يتخلوا عنها فجأة ودفعة واحدة، فحرمت بالتدريج شيئًا فشيئًا، فأول ما نزل فيها قول الله تعالى في سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] ، وليس في هذه الآية دليل على التحريم البات، ولكن فهم بعضهم تحريمها من أنها إثم؛ والإثم محرم، كما قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف:33] فحرم الإثم في هذه الآية، أي: كل شيء يسبب إثمًا، يعني: وزرًا وذنبًا وحنثًا وسيئة، ووصف الله الإثم بالكبر فقال: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) وقال في نفس الآية: (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) .

لما نزلت هذه الآية تاب عنها خلق كثير، وقد دعي عمر رضي الله عنه -وكان من أشد الناس فيها- وبشر بنزول هذه الآية فقال: (اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا) ، واستمر أناس يشربونها وقالوا: ما دام أن فيها منافع فإنا سنشربها، فنزلت الآية الثانية في سورة النساء وهي قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43] ، وذلك لأن بعض الصحابة صلى وهو سكران، فخلط في صلاته، وخلط في قراءته، فكان ذلك سببًا للنهي عن أن يأتيها في حالة السكر، ولما نزلت هذه الآية دعي أيضًا عمر فتليت عليه، فقال: (اللهم بين لنا بيانًا شافيًا) ، ولما نزلت هذه الآية تركها خلق كثير، وبقي أناس يشربونها في الأوقات الطويلة، أي: يشربونها بعد الفجر بحيث يصحوا قبل الظهر، أو يشربونها بعد العشاء بحيث يصحوا قبل الفجر، فأما الأوقات الضيقة فلا يشربونها؛ لأن الله تعالى نهاهم أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، وهذا نوع تقديم بين يدي تحريمها.

ولما نزلت آية النساء وفيها النهي عن قربان الصلاة حالة السكر تاب عن شربها خلق كثير؛ وذلك لأن هذا تقدمة بين يدي تحريمها، وعلموا أن في هذه مضرة، وقالوا: لا خير في شراب يمنعنا من الصلاة، لا حاجة لنا فيه، فتركوها ولو كانت مشروبة لهم من قبل ولذيذة في نفوسهم.

وبعد مدة نزل تحريمها تحريمًا صريحًا في آيات في سورة المائدة، وهي قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ} [المائدة:90-91] ، فلما نزلت قال الصحابة رضي الله عنهم: (انتهينا انتهينا) ، فتابوا عنها وأقلعوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت