قال المصنف رحمه الله تعالى وإياه:[باب العرايا وغير ذلك.
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها) ولـ مسلم: (يخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق) ] .
هذا الحديث يتعلق بالعرايا، والعرايا هي النخلة يباع ثمرها وهو في قنوانه بتمر، وهي مستثناة من مسألة المزابنة، وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم (نهى عن المزابنة، ورخص في العرايا) ؛ وذلك لأن من أنواع الربا بيع التمر بالتمر دون أن يكون متساويًا، أما بيع بعضه ببعض متساويًا فإنه جائز ولا يكون ربا، مثال ذلك: أن يبيع صاع تمر بصاع تمر، هذا له نظر في هذا، وهذا له نظر في هذا، فيجوز، ولا يجوز التفاوت في شيء من ذلك عن قصد، وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم أرسل مرة بلالًا يأتيه بتمر من تمر خيبر، فجاءه بتمر جنيب-يعني: جيد قوي نظيف حسن- فتعجب وقال:(أكل تمر خيبر هكذا؟! فقال: لا والله.
إنا لنشتري الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبًا)، والجمع: هو التمر المجموع.
أي: يكون فيه الرديء والجيد.
والجنيب: هو التمر الذي كله جيد، وكله نظيف، وكله طيب.
يقول: إذا كان عندك تمر رديء، وتريد أن تبدله بتمر جيد فلا تقل: أعطني صاعًا من هذا بصاعين من هذا، فإن هذا ربا، بل هو عين الربا، فلا يباع التمر إلا مثلًا بمثل متساويًا، كما لا يباع البر بالبر إلا مثلًا بمثل، وكذلك جميع الحبوب ولو اختلفت القيم، فلا يباع كيس أرز بكيس أرز من جنس آخر أحسن منه، بل يباع بمثله ولو اختلفت القيم، وإذا كان الإنسان عنده أرز رديء وأراد أن يشتري به أرزًا جيدًا؛ باع الرديء بدراهم واشترى بالدراهم جيدًا، وهكذا في التمور، وهكذا في الزبيب، وهكذا في الشعير، وهكذا في القمح، وهكذا في كل الحبوب، فلابد -كما سيأتينا في الربا- من بيعها بالدراهم ثم شراء غيرها.
ويستثنى من ذلك مسألة العرايا، فيتسامح فيها لأجل الحاجة، فأما لغير حاجة فلا يجوز، وذلك لعدم تحقق التساوي، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: هل يباع الرطب بالتمر؟ فقال: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فقال: فلا إذًا) ، فبين العلة، فالرطب معلوم أنه ثقيل؛ لأن فيه ماء، فإذا وزنت تمرًا جافًا بتمر فيه ماؤه كالرطب فإنه قد يتوازن، ولكن متى جف ويبس هذا الرطب خف وزنه وقل كيله، فلا يكون متساويًا، فمن أراد أن يشتري رطبًا بتمر فإن عليه أن يبيع التمر بدراهم، ويشتري بالدراهم رطبًا.
وذكرنا أنه استثنى من بيع التمر بالرطب مسألة العرايا، وسببها أن بعض الناس يكون عندهم بقية تمر من السنة الماضية، ويأتي الرطب وهو غير موجود عندهم، ويحبون التفكه بأكل الرطب، وليس عندهم دراهم يشترون بها الرطب، فيشترون بالتمر رطبًا، فرخص لهم للحاجة.