فهرس الكتاب

الصفحة 930 من 1083

ورد في تحريم الخمر أدلة كثيرة، منها أنه أمر بإراقتها وإتلافها، ولما حرمت دخل النبي صلى الله عليه وسلم الأسواق ومعه بعض أصحابه معهم السكاكين، فجعلوا يشكون تلك الظروف التي فيها الخمر، ويتركون ما فيها يسيل، فجرت في سكك المدينة على أهلها، وإتلافًا لماليتها؛ لأنها لا قيمة لها ولا ثمن، ولم يراع حتى ظروفها التي هي أوعية لها، بل أتلفها على أهلها.

وأخبر أيضًا بأنها أم الخبائث، وأخذ العلماء من ذلك أنها نجسة العين؛ لأن الخبيث محرم، قال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ} [الأعراف:157] ، ولا شك أنها من الخبائث، لما ذكر في الآية من الآثار التي تترتب على فعلها وعلى تعاطيها.

ومن الأدلة على تحريمها أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة: (لعن الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومشتريها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها) ، فلعن هؤلاء العشرة لأنهم تساعدوا على الخمر، على صناعتها، وعلى ترويجها، وعلى العمل فيها، وإن كان الإثم أصلًا هو على الذي يشربها، وأما البقية فإنهم يساعدون عليها، فكما لعن في الربا أربعة: (لعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه) ، فكذلك لعن في الخمر عشرة من الذين يتساعدون فيها.

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعقوبة شاربها في الآخرة بقوله: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) ؛ وذلك لأن في الجنة خمرًا، ولكن ليست كخمر الدنيا، قال الله تعالى: {وَكَأْسًا دِهَاقًا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا} [النبأ:34-35] فخمر الدنيا فيها اللغو وفيها الكذب، وأما خمر الجنة فهي سالمة من ذلك، وقال تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ} [الواقعة:17-19] أي: لا يأتيهم صداع -وهو الغول- أو السكر وذهاب العقل، وهكذا قوله تعالى: {لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ} [الطور:23] أي: فهي سالمة من اللغو ومن الغول الذي هو السكر، فهذه هي خمر الجنة، فمن شرب الخمر في الدنيا حرمها في الجنة.

وقد يكون ذلك سببًا في حرمانه من دخول الجنة إذا كان مصرًا عليها أو مستحلًا لها، فإنه إذا دخل الجنة أحد لن يحرم شيئًا من ملذاتها ولا من نعيمها، فهذا الذي شربها في الدنيا يمكن أن يحرم من دخول الجنة إلا أن يشاء الله.

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن من أصر على شرب المسكرات كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، عصارة أهل النار، وهذا أيضًا يدل على أنه يدخل النار -والعياذ بالله- ويعذب فيها، ويُسقى من هذه العصارة بدل ما نعم نفسه في الدنيا بهذه اللذة وبهذه الحلاوة، فعوقب بأن يسقى من هذه العصارة، عصارة أهل النار، يعني: أوساخهم، وغسالات فروجهم، وغسالات أبدانهم ونحو ذلك، لوا شك أن هذا من أبشع العذاب، فهذا دليل واضح على أنها حرمت تحريمًا مؤبدًا، وأن متعاطيها متعرض لعقاب الله تعالى.

وكذلك يحرم بيعها والتجارة فيها، وعملها، قال صلى الله عليه وسلم: (من باع الخمر فليشقص الخنازير) ، ومعلوم أن الخنزير محرم لخبثه، وقد جعل الذي يبيع الخمر كأنه يشقص الخنازير، والتشقيص هو القصب، أي: فهو مثل القصاب هو الذي يقطع اللحم، يعني: أن هذا البائع للخمر مثل الذي يقطع لحم الخنزير قطعة قطعة ويبيعه، ولحم الخنزير محرم، وبيعه وتشقيصه وتقطيعه محرم أيضًا، وهو نجس نجاسة عينية مثل نجاسة الكلاب ونحوها، فكل هذا دليل على بشاعة هذه الخمرة التي هي أم الخبائث وعقوبتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت