أما الحديث الذي بعده فالشاهد منه مثل ما في هذا الحديث، وأن من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، وأوجب الله له بيمينه العذاب، وفي بعض الروايات أنهم قالوا: (وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟! قال: وإن كان قضيبًا من أراك) يعني: وإن كان الذي أخذه عودًا من الأراك.
يعني: سواكًا.
وماذا يفعل وماذا يستفيد من اقتطع سواكًا بيمين هو فيها كاذب؟! إنه يستحق غضب الله تعالى، ويستحق عقوبته، ويستحق العذاب الوبيل الذي ذكره الله تعالى ورتبه في هذه الآية.
كذلك في هذا الحديث أيضًا الأمر بالوفاء بالنذور، والنذر: هو أن يلزم الإنسان نفسه شيئًا لم يلزمه شرعًا.
أي: يلزم به نفسه وهو غير لازم، فيلزمه الوفاء به، إلا إذا كان النذر في شيء لا يملكه، وفي هذا الحديث يقول: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك) يعني: لا يجوز له أن ينذر شيئًا وهو لا يملكه، ولكن إذا نذره فإن عليه كفارة اليمين.
وعرفنا أن النذر هو إلزام الإنسان نفسه ما ليس واجبًا عليه شرعًا تعظيما ًللمنذور له، فيقصد بذلك أن يعظم من نذر له، فإن كان نذرًا لله تعالى فإنه تعظيم لله، وإن كان نذرًا لمخلوق فإنه تعظيم لذلك المخلوق حيًا أو ميتًا، وهو عبادة من العبادات وقربة من القربات.
وقلنا: إن النذر عبادة لأن الناذر يعظم من نذر له، ولأجل ذلك مدح الله بالوفاء به، قال تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان:7] أي: إذا نذروا أوفوا.
وقال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة:270] والمعنى: إن الله تعالى عالم بهذه النذور، وسوف يجازي عليها إن كانت نذر طاعة أو نذر معصية.
وأمر الله بالوفاء بها في قوله تعالى: {ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:29] .
وكذلك حكى الله تعالى النذر عن الأمم السابقة، فحكى عن أم مريم أنها قالت: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي} [آل عمران:35] ، وعن مريم أنه قال لها ابنها: {فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} [مريم:26] ، فدل على أن النذر مشهور في الأمم قبلنا.
وصفة النذر بما لا يملك ابن آدم كأن يقول: لله علي أن أعتق عبد فلان.
أو أسبل بيت فلان.
فهذا لا تملكه، وكيف تسبل بيته وأنت لا تملكه؟ لأن هذا مما يمتنع عليك، وكذلك يمتنع عليك أن تعتق عبده، فلا تتصرف إلا فيما تملك، وهكذا لو قلت: نذرت أن أضحي بشاة فلان فأنت لا تملكها، والوقف والعتق والأضحية كلها عبادات، ولكن كونك تتصرف فيما لا تملك فهذا لا تقدر عليه.
أما إذا كان الإنسان نذر بشيء وهو يملكه فإنه يلزمه الوفاء به، فإذا قال: لله علي أن أعتق عبدي.
أو: أن أوقف بيتي.
أو: أن أضحي بهذا الكبش -الذي يملكه-.
أو: أن أتصدق بهذا الكيس -الذي يملكه- فمثل هذا عبادة يملكها، فيلزمه أن يوفي بهذا النذر؛ لأنه طاعة وقربة، فالصدقات والقربات وما أشبهها من العبادات كلها قربات يتقرب بها إلى الله تعالى.
فعلى الناذر أن يوفي بما نذر به.