وقد اختلف العلماء: هل قضاء رمضان على الفور أو على التراخي؟ والمعنى: هل يبادر حينما ينتهي عذره، فحينما يخرج رمضان ويزول عذره يبادر ويصوم، أو يجوز له التأخير ولو شهرًا وشهرين وأشهرًا حيث إن الوقت واسع؟ وعلى كل حال فالجمهور على أن له أن يؤخره إذا كان الوقت واسعًا مع تأكد المبادرة واستحباب الصيام بالسرعة، وذلك لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، ولأنه إذا تمادى وأفطر شهر شوال قرب عليه الصيام -مثلًا- في شهر ذي القعدة، ثم كذلك في شهر ذي الحجة، ثم يتهاون بالصيام وتتوالى عليه الأشهر حتى يصل إلى رمضان وهو مفرط، فربما لم يتمكن من إكمال ما صامه، فيأتيه رمضان الثاني وهو لم يصم، فيعد بذلك مفرطًا، وربما مات قبل أن يقضي ما عليه، فيكون -أيضًا- بذلك مفرطًا إذا مات وهو على هذا الإهمال.
فلا جرم أنه يبادر، فيصوم أيامه التي عليه، هكذا ذكر العلماء لأجل المحافظة على أداء العمل في وقته، أو حين يتمكن مخافة العوارض.
أما عائشة فلها عذر، حيث ذكرت أنها لا تتمكن من القضاء إلا في شعبان، تعني قرب رمضان، فيكون عليها القضاء فلا تتمكن منه إلا في شهر شعبان، وذكرت أن لها عذرًا وهو الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لكثرة سفرها معه، فقد كان يسافر كثيرًا في غزواته وفي سراياه، وتسافر معه غالبًا، والسفر مظنة المشقة.
وأيضًا قد تشتغل بحاجاتها الخاصة، وهذا الشغل يحول بينها وبين أن تصوم، وأيضًا قد تظن أن به حاجة إليها في نفسها كاستمتاع ونحوه، وذلك لا يمكنها من أن تصوم، فإذا ظنت أن به حاجة إليها أفطرت، وأيضًا قد تحتاج إلى استئذانه ولا تستطيع الاستئذان، فيكون لذلك لها عذر.
ثم نقول: هذا -أيضًا- لم يكن مستمرًا، بل يمكن أنه وقع منها سنة أو سنتين، أي: وجد العذر في سنة.
ولكن الغالب أنها تصومه مبادرة بذلك، فتصومه حينما ينقضي عذرها، هذا هو الغالب عليها وعلى بقية أمهات المؤمنين وعلى الصحابة رضي الله عنهم، فإذا كان عليهم أيام من رمضان صاموها مبادرة ولم يؤجلوها، هذا هو الأصل فيهم، وذلك لما عرف من حرصهم على أداء العبادة وعدم التفريط فيها مخافة أن يعرض ما يسبب أن بفرطوا، فلذلك يبادرون بالقضاء، فهذا هو المعتاد عندهم.