فهرس الكتاب

الصفحة 1003 من 1890

ومقتضى النهي الذي دل عليه وهو إعدام المفاسد المترتبة على المنهيات يؤكد على هذا المعنى.

قال: {وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَالدَّوَامَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَوْنِهِ لِلدَّوَامِ: كَوْنُهُ لِلْفَوْرِ} إذا قيل للفور يلزم منه أن يكون للدوام. وهو كذلك.

{لأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ، وَلأَنَّ مَنْ نُهِيَ عَنْ فِعْلٍ بِلاَ قَرِينَةٍ فَفَعَلَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ عُدَّ مُخَالِفًا لُغَةً وَعُرْفًا} قال: لا تأكلوا الربا. وامتثل خمس سنين، وجاء بعدها فأكل. ممتثل؟ لا، لا يكون ممتثلًا؛ لأنه أوقع ما نُهي عنه ولو مرة.

ولذلك عُدَّ مُخَالِفًا لُغَةً وَعُرْفًا وشرعًا .. قبل ذلك يكون شرعًا.

{وَلِهَذَا لَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يُسْتَدَلُّونَ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَحَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ بُرْهَانٍ وَأَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ إجْمَاعًا} .

نعم ينبغي أن يكون إجماع، ولذلك لا مخالف في الصحابة في هذه المسألة: أنه للفور وأنه للدوام. يعني: مدة حياته.

فلو اكتفى بترك ما دل عليه النهي مدة من حياته ثم وقع فيه عُدّ عاصيًا وعُد مخالفًا، ولا يقال بأنه امتثل أول الأمر ثم جاز له ذلك.

{وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَمْرِ: أَنَّ الأَمْرَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَيَقَعُ الاِمْتِثَالُ فِيهِ بِالْمَرَّةِ} .

ولذلك قلنا: الأصح فيه أنه لا يدل إلا على المرة ضرورة، وإلا هو لطلب الماهية لا باعتبار كونه للمرة ولا للتكرار.

إذًا: فرقٌ بينهما. والمقصود بالأمر هو إيجاد الفعل. يعني: إيقاعه من حيِّز العدم إلى الوجود، وقد حصل.

وَأَمَّا الاِنْتِهَاءُ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَلا يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِاسْتِيعَابِهِ فِي الْعُمُرِ فَلاَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَكْرَارٌ، بَلْ بِالاِسْتِمْرَارِ بِهِ يَتَحَقَّقُ الْكَفُّ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ أراد مفصلًا .. وهذا لا إشكال فيه: {إِنَّ النَّهْيَ مُنْقَسِمٌ إلَى الدَّوَامِ كَالزِّنَا} "لا تقربوا الزنا"مدة الحياة.

{وَإِلَى غَيْرِهِ} يعني: ما لا يقتضي الدوام.

{كَالْحَائِضِ عَنْ الصَّلاةِ} لكن هذا مانع يزول بزواله، فهو أشبه ما يكون بالعلة، فلم يرد نصٌ بأن الحائض ممنوعة عن الصلاة لا لعدم حيضها وإنما لحيضها، فحينئذٍ يتعلق الحكم بها، كلما وجد الحيض امتنعت الصلاة مثل قوله تعالى: (( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ) ) [المائدة:6] .

فَكَانَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، دَفْعًا لِلاِشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ.

وَرُدَّ بِأَنَّ عَدَمَ الدَّوَامِ لِقَرِينَةٍ، هِيَ تَقْيِيدُهُ بِالْحَيْضِ، وَكَوْنُهُ حَقِيقَةً لِلدَّوَامِ أَوْلَى مِنْ الْمَرَّةِ لِدَلِيلِنَا، وَلإِمْكَانِ التَّجَوُّزِ فِيهِ عَنْ بَعْضِهِ لاِسْتِلْزَامِهِ لَهُ بِخِلافِ الْعَكْسِ.

قال رحمه الله تعالى: (وَلاَ تَفْعَلْهُ مَرَّةً يَقْتَضِي تَكْرَارَ التَّرْكِ) .

يعني: {قَوْلُ النَّاهِي عَنْ شَيْءٍ لاَ تَفْعَلْهُ مَرَّةً يَقْتَضِي تَكْرَارَ التَّرْكِ قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ. فَلا يَسْقُطُ النَّهْيُ بِتَرْكِهِ مَرَّةً} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت