فنجد أن القرآن والسنة من أوله إلى آخره استعمل جموع السلامة أراد بها ما لا حصر.
إذًا: لها حقيقة شرعية، الحقيقة اللغوية هي: القلة، لكن لها حقيقة شرعية بمعنى أنه استعملها مرادًا بها عددٌ بلا حصر، هذا جوابٌ سليم.
فإن الموضوع للقلة كثيرًا ما يستعمل في الكثرة، فنظر الأصوليون إلى غلبة الاستعمال، ولذلك عدَّوا هذين النوعين: جمع المذكر السالم والمؤنث أنه من صيغ العموم الذي لا يدل على حصرٍ البتة، وإنما يستغرِق ما لا يُحصر.
فحينئذٍ إذا أُورد عليك بأن النحاة وسيبويه نص على أنه جمع قلة من الثلاثة إلى عشرة! نقول: هذا في أصل وضعها، والكلام حينئذٍ يكون في الشرعيات.
ونظر النحاة إلى أصل الوضع فلا خلاف.
إذًا: من صيغ العموم (جَمْعٌ مُطْلَقًا) .
قال: (مُعَرَّفٌ) احترازٌ من المنكّر فإنه لا يعم.
ثم بين التعريف هنا قال: (بِلَامٍ) أي: بلام التعريف (أَوْ إِضَافَةٍ) .
قال: {مِثَالُ السَّالِمِ مِنْ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ الْمُعَرَّفِ بِاللاَّمِ: قَوْله تَعَالَى: (( إنَّ الْمُسْلِمِينَ ) )} يعني: كل مسلمٍ، { (( وَالْمُسْلِمَاتِ ) )} كل مسلمة.
وَمِثَالُ جَمْعِ الْكَثْرَةِ مِنْ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ: الرِّجَالُ، وَالصَّوَاحِبُ.
وَجَمْعُ الْقِلَّةِ: كالأَفْلَسُ وَالأَكْبَادُ.
واختلف في أقل الجمع .. الكثرة والقلة وسيأتي.
{وَمِثَالُ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِالإِضَافَةِ قَوْله سبحانه: (( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) )} هذا مضاف.
أولاد جمع، وأضيف إلى كاف، أفاد العموم.
{ (( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ) )وقَوْله سبحانه: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) )} هنا أضيف وهو جمعٌ، أفاد العموم.
وهذا القول هو المشهور؛ لأن الجمع مطلقًا يفيد العموم وهو الصحيح، وعليه أكثر أهل العلم، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد بقوله: هذا مفردٌ مضاف، أفاد العموم.
{ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: } متفقٌ عليه.
وهذا واضحٌ بين، دل على اقتضاء المضاف العموم، وهو نصٌ لهذه القاعدة.
ثم انظر فسّره بلفظ كل. يعني قال: يعني: على كل فردٍ من أفراد العباد.
قال: الصالحين. يعني: عبد صالح، فالوصف يتبع كل فردٍ فردًا.
{وَعَلَى هَذَا الأَصَحُّ: أَنَّ أَفْرَادَهُ آحَادٌ} . يعني: واحد، وأن المسلمين مسلم واحد، وليس آحادَه جمعٌ .. أقل الجمع ثلاثة وثلاثة وثلاثة، وقد قيل به .. أفراده جموعٌ، وليس كذلك.
يعني: إذا قلنا بأن المسلمين يدل على أفراده، بماذا نفسِّر الأفراد هنا بالواحد الشخص أو بأقل الجمع؛ لأن أقل الجمع ثلاثة كما سيأتي؟
حينئذٍ كأنه يقول: من قال بأنه يُفسَّر بأن أفراده جموع حينئذٍ طائفة أو حزب ثلاثة، ثم ثلاثة، ثم ثلاثة .. هذه أفراد؛ لأنه مدلول الجمع وليس هذا المراد، وإنما المراد به كل واحد من أفراد الجمع.