تخلف المحدود مع وجود الحد، تخلف الإنسان مع وجود الحيوان، فيقول: ما هو الإنسان؟ يقول: هو الحيوان، حينئذٍ الحيوان يصدق على غير الإنسان، فوجد الحد مع غير المحدود وهو الإنسان، هذا يسمى معارضة في هذا الباب.
وهو متجه لكل حد لا يكون مع محدوده المساواة، وإنما إذا كان بينهما العام والخاص على ما مر بيانه، والمعارضة وهو المقابلة .. مقابلة الخصم بمثل دليله أو بما هو أقوى، فيرد على الحد النقض والمعارضة.
{قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: عِنْدَ الأَكْثَرِ} يعني: يعارضه بهذا الحد.
{قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ: فَإِنْ قُلْت: إذَا لَمْ يُطَالِبْ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِّ بِالدَّلِيلِ} وعند أهل الجدل إذا طلب تعريف لا يقال له أثبت هذا التعريف بالدليل، من قواعدهم أنه -سيأتي في بعض المسائل المتعلقة في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى- لا يُطالب من عرَّف تعريفًا أن يأتي بالدليل، هذا الأصل فيه.
قال: فـ {فَإِنْ قُلْت: إذَا لَمْ يُطَالِبْ} -يعني: المعارض- {عَلَى صِحَّةِ الْحَدِّ بِالدَّلِيلِ وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ بُطْلاَنهُ} نعرف أن هذا الحد باطل، ولا يمكن أن نطالبه بالدليل على إثبات الحد لأنه مخالف للنظام الجدلي، فماذا نصنع؟
قال: {فَكَيْفَ الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ؟} هو جاء بتعريف باطل، ومن القواعد: أن لا نطالبه بالدليل على إثبات حده ونعتقد بطلانه، ماذا نصنع؟
قال: {قُلْتُ} هذا قول القرافي {الطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: النَّقْضُ} الذي أورده المصنف هنا
قال: ويرد عليه أي: الحد، النقض {أَحَدُهُمَا: النَّقْضُ، كَمَا لَوْ قَالَ: الإنسان عِبَارَةٌ عَنْ الْحَيَوَانِ} يعني: فسّر الإنسان وعرّفه بما هو أعم من المحدود، وهذا يكون جامعًا لكن لا يكون مانعًا، فانتفى أحد شرطي الحد فلا يصح، فالحد باطل، فنعتقد أن الحد باطل، لكن لا يمكن أن نطالبه بالدليل، نأتي بالمعارضة .. نأتي بالنقض.
{فَيُقَالُ: [لَهُ] يُنْتَقَضُ عَلَيْك بِالْفَرَسِ} هذا الحد ينتقض عليك بالفرس، ولذلك مر أن النقض: بيان تخلف المحدود مع وجود الحد، فنقول: حدك الإنسان بأنه حيوان منتقض بالفرس، فالفرس حيوان وليس بإنسان، هذا يسمى نقضًا يعني: إبطالًا للحد.
فَيُقَالُ: [لَهُ] يُنْتَقَضُ عَلَيْك بِالْفَرَسِ فَإِنَّهُ حَيَوَانٌ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ.
وَثَانِيهِمَا: الْمُعَارَضَةُ يعني: أعارضه بتعريف آخر.
قال: {الْمُعَارَضَةُ كَمَا لَوْ قَالَ: الْغَاصِبُ مِنْ الْغَاصِبِ يَضْمَنُ} غصب زيدٌ أرضًا أو مالًا، يأتي غاصب من الغاصب.
قال: {يَضْمَنُ؛ لأَنه غَاصِبٌ, أَوْ وَلَدُ الْمَغْصُوبِ} كشاة مغصوبة مثلًا {مَضْمُونٌ, لأَنه مَغْصُوبٌ, لأَن حَدَّ الْغَاصِبِ} هذا الشاهد هنا {لأَن حَدَّ الْغَاصِبِ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ} عرّفه، نحن نعتقد بطلان هذا التعريف، ماذا نصنع؟ نعارضه بتعريف آخر.
{وَهَذَا وَضَعَ يَدَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ, فَيَكُونُ غَاصِبًا. فَيَقُولُ الْخَصْمُ: أُعَارِضُ هَذَا الْحَدَّ بِحَدٍّ آخَرَ} فيأتي بحد، فحينئذٍ يعتقد بطلان ذلك الحد ويكون الحد الذي أورده هو الصحيح عنده.