لأن الصحابي حكى الفعل بصيغة تقتضي العموم، وهم أئمةُ أئمةِ اللغة، حينئذٍ دل على أن الصحابي فهم العموم من هذا الفعل، فحكايته للعموم تدل على أنه ناقلٌ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هذا الحكم لا يختص بالعين التي قضى فيها بالشفعة أو نحو ذلك، وإنما هو عامٌ لسائر الأمة، ولذلك قال: (نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) يعني: كل غرر.
وقضى بالشفعة للجار يعني: لكل جار. هذا الأصل فيه.
(يَعُمُّ كُلَّ غَرَرٍ) {وَكُلَّ جَارٍ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الأُصُولِيِّينَ} قالوا: هي قضايا أعيان وهي محتملة، والصحابي يحتمل أنه ما فهم على وجهه، ويحتمل أنه فهم العموم وليس بعموم.
يعني: اتَّهم الصحابي في النقل .. بأنه قد نقل خطأً وهم أولى بالاتهام من الصحابة.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الأُصُولِيِّينَ.
لَنَا: أَنَّ الصَّحَابِيَّ الرَّاوِيَ عَدْلٌ بل هم أعلى درجة في العدالة.
ثانيًا: {عَارِفٌ بِاللُّغَةِ} بل هم أئمة اللغة، هم حجة في اللغة، ومر معنا أن تفسير الصحابي يُرجع إليه .. يعتبر حجة بخلاف رأيه واجتهاده.
{فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ صِيغَةَ الْعُمُومِ، وَهِيَ الْجَارُ} بـ (أل) هكذا {وَالْغَرَرُ} بـ (أل) هكذا {لِكَوْنِهِمَا مُعَرَّفَيْنِ فَاللاَّمُ الْجِنْسِ إِلاَّ إذَا عَلِمَ} الصحابي علمًا يقينًا {أَوْ ظَنَّ} وغلب على ظنه صِيغَةَ الْعُمُومِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ سَمِعَ صِيغَةَ الْعُمُومِ من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ الصِّدْقُ فِيمَا فَعَلَهُ، فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ} .
إذًا: الصحابي هنا عدلٌ عارفٌ باللغة، ونقل من هذه الواقعة أن حكم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامٌ، فحينئذٍ صار عامًا وهو الأصح.
{وَاحْتَجَّ الْخَصْمُ عَلَى أَنَّهُ لا عُمُومَ لَهُ} .. لا يعم كل غرر ولا كل جار؛ {لأَنَّهُ حِكَايَةُ الرَّاوِي} وهو صحابي، {وَحينئذٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِأَنْ رَأَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ غَرَرٍ خَاصٍّ، أَوْ قَضَى لِجَارٍ خَاصٍّ, فَنَقَلَ صِيغَةَ الْعُمُومِ لِظَنِّهِ عُمُومَ الْحُكْمِ} وليس كذلك.
{وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ صِيغَةً خَاصَّةً، فَتَوَهَّمَ أَنَّهَا عَامَّةٌ، فَنَقَلَهَا عَامَّةً} هذا احتمال بعيد. {وَحينئذٍ فَلا يُمْكِنُ الاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لأَنَّ الاحْتِجَاجَ بِالْمَحْكِيِّ لا بِالْحِكَايَةِ، إلاَّ إذَا طَابَقَتْهُ وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ} .
هذا تعليلٌ فاسد، فالصحابة عدول وهم أئمة اللغة ونقلوا ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوجب اتباعه.
{قُلْنَا: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الاحْتِمَالَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَادِحًا} في نفسه {َهُوَ خِلافُ الظَّاهِرِ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الرَّاوِي مَا ذَكَرْنَاهُ} .
حال الراوي الصحابي هنا.
{وَلأَنَّ اللاَّمَ غَالِبًا لِلاسْتِغْرَاقِ، فَحَمْلُهُ عَلَى الْعَهْدِ خِلافُ الْغَالِبِ} .
قال رحمه الله تعالى: