(فَمَا الْحَاجَةُ إلَيْهِ) الفاء للتفريع، يعني: كأنه يقول لك: إذا كانت اللغة ألفاظ وضعت لمعان، فحينئذٍ يرد: بأن بعض المعاني يحتاج إليه في التعبير عنه، وبعضه قد يكثر، وبعضه قد ينعدم، وبعضه قد يقل، فالأقسام أربعة.
(فَمَا الْحَاجَةُ إلَيْهِ) {أَيْ فَالْمَعْنَى} (فَمَا) "ما"هنا اسم موصول بمعنى الذي يصدق على المعنى؛ لأن التركيب هنا في التعريف قال: (أَلْفَاظٌ وُضِعَتْ لِمَعَانٍ) إذًا النظر يكون بماذا؟ لأي شيء ابتداء؟ إلى المعنى، فأيهما أصل وأيهما فرع؟ ألفاظ وضعت للدلالة على معاني، فالمعنى أصل واللفظ فرع، حينئذٍ النظر يكون باعتبار المعاني هل يُحتاج إليها بكثرة، هل هي من الضروريات، هل لا يُحتاج إليها، هل تقل الحاجة؟
حينئذٍ يكون التفصيل باعتبار ذلك.
(فَمَا) {أَيْ الْمَعْنَى} (الْحَاجَةُ إلَيْهِ) يعني: {الَّذِي يَحْتَاجُ الإنسان إلَى الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ دَائِمًا, كَطَلَبِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ أَلَمِ جُوعٍ, أَوْ عَطَشٍ, أَوْ حَرٍّ, أَوْ بَرْدٍ} هذا لا تخلو اللغة من وضع لفظ يدل على هذا المعنى؛ لأن الشعور بالجوع والتعبير عنه هذا ضروري، وكذلك الشعور بالعطش والتعبير عنه هذا ضروري، لا يمكن أن يوجد معنى يفتقر إليه الناس ولا يوجد لفظ دال عليه البتة، ولذلك اللغة محكمة من جميع جهاتها.
قال: (وَالظَّاهِرُ) يعني: من الأقوال (أَوْ كَثُرَتْ) {حَاجَتُهُ إلَيْهِ كَالمعَامَلاَتِ} فهذا كذلك لا تخل اللغة من وضع لفظ يدل عليه، ولذلك قال: (لَمْ تَخْلُ مِنْ لَفْظٍ لَهُ) يعني: من وضع لفظ له، هذان قسمان: القسم الأول: ما الحاجة إليه ماسة، القسم الثاني: أو كثرت حاجته، يعني: يمكن أو يعبّر عنه بأنه لا يحتاجه كل الناس، وأما النوع الأول فهو مفتقر إليه جميع الناس.
قال: (وَيَجُوزُ) -يعني: لا يمتنع- (خُلُوُّهَا) أي: اللغة (مِنْ لَفْظٍ لِعَكْسِهِمَا) يعني: عكس الأول (مَا الْحَاجَةُ إِلَيْهِ) ما هو؟ ما لا يُحتاج إليه البتة، (أَوْ كَثُرَتْ) أو تقل الحاجة إليه، هذا عكس المسألتين السابقة، ولذلك القسمة رباعية، يجوز ألا يوضع لفظ في لسان العرب لمعنى لا يحتاج إليه، بل هذا هو الموجود، وقل أن يوجد لفظ يدل على معنى والمعنى لا يحتاج إليه، هذا مثاله عزيز.
أو تكون ثم حاجة لكنها قليلة، يفتقر إليها آحاد الناس دون غيرهم، هذا كذلك يجوز ألا يوضع له في لسان العرب لفظ.
{قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي مُقَنَّعِهِ: مَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهِ} يعني: ضرورة {لَمْ تَخْلُ اللُّغَةُ مِنْ لَفْظٍ يُفِيدُهُ, وَمَا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهِ يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ, وَمَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ غَالِبًا} ولذلك قال: (وَالظَّاهِرُ أَوْ كَثُرَتْ) فَالظَّاهِرُ عَدَمُ خُلُوِّهَا عَنْهُ, وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مَعَنَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا احْتَاجَهُ النَّاسُ وَاضْطُرُّوا إلَيْهِ فَلاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْ وَضْعِهِ.