الثَّانِي: عَكْسُهُ, مَا لاََ يُحْتَاجُ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ, يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْهُ, وَخُلُوُّهَا -وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَكْثَرَ بل يحتاج إلى مثال ولا مثال.
{الثَّالِثُ: مَا كَثُرَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ, الظَّاهِرُ عَدَمُ خُلُوِّهَا, بَلْ هُوَ كَالْمَقْطُوعِ بِهِ} يعني: لا بد من ذكره.
{الرَّابِعُ: عَكْسُهُ, مَا قَلَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ, يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْهُ, وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ} .
إذًا: هذه اللغة من حيث وضع الألفاظ للمعاني، ومن حيث الحاجة، وعدمها، وهي أربعة أقسام ذكرها المصنف رحمه الله تعالى فيما مضى.
ثم شرع في تبيين الملفوظ به، فأول ما يلفظ به هو الصوت، ولذلك بدأ به فقال: (وَالصَّوْتُ عَرَضٌ مَسْمُوعٌ) أيهما أعم اللفظ أم الصوت؟ الصوت أعم، حينئذٍ أول ما يُلفظ به إن صح التعبير يقال: هو الصوت، فهو مقدمة اللفظ، فأول ما يلفظ به الصوت، فلذا بدأ به فقال: (وَالصَّوْتُ) الصوت مصدر: صَات يصُوتُ صَوتًا، وهو كل ما يدرك بالسمع يسمى صوتًا .. كل ما يدرك بحاسة السمع فهو صوتٌ.
قال: (وَالصَّوْتُ عَرَضٌ) والعرض هو ما لا يقوم بنفسه، وإنما يقوم بغيره، تقسيم الأشياء أو الموجودات إلى جوهر وعرض، الجوهر هو ما يقوم بنفسه فلا يفتقر إلى غيره، وأما العرض هذا لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بغيره كالصفات .. المعاني ونحوها.
(عَرَضٌ) هذا جنس يتناول جميع الأعراض الحيوانية وغيرها كالحركات والألوان والطعوم .. هذه لا تقوم بذاتها.
(عَرَضٌ مَسْمُوعٌ) مسموع هذا فصل خرج جميع ما مضى من الأعراض إلا العرض الذي يُدرك بالسمع وهو الصوت، إذًا لو قيل: الصوت هو ما يدرك بالسمع لأدى الغرض، الصوت: هو ما يدرك بالسمع.
{وَسَبَبُهُ} أي: سبب الصوت {انْضِغَاطُ الْهَوَاءِ بَيْنَ الْجِرْمَيْنِ, فَيَتَمَوَّجُ تَمَوُّجًا شَدِيدًا, فَيَخْرُجُ فَيَقْرَعُ صِمَاخَ الأُذُنِ فَتُدْرِكُهُ قُوَّةُ السَّمْعِ, فَصَوْتُ الْمُتَكَلِّمِ: عَرَضٌ حَاصِلٌ عَن اصْطِكَاكِ أَجْرَامِ الْفَمِ} وهذا غلط، يعني من جهة لسان العرب تخصيصه بما ذُكر هذا ليس عليه دليل، وإنما يقال الصوت: هو كل ما يُسمع، ولا يلزم من ذلك أن يكون ثم فم أو اصطكاك؛ لأنه يرد فيما سيأتي بعد إن شاء الله تعالى: أن الصوت من صفات الباري جل وعلا، فنفى أهل البدعة الصوت بناء على هذه القاعدة: أنه يلزم من الصوت الفم واصطكاك الأجرام، فحينئذٍ هذا ممتنع في حق الباري جل وعلا فنفوا صفة الصوت.
وهذا كما ذكرنا بناءً على ما ذُكر هنا، ولذلك نقول: الصوت كل ما يُسمع، دون تعرض لكيفية إخراج الصوت من المتكلم؛ لأنه لا يلزم منه، ولذلك الحجر سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليس له لسان، وكذلك السماوات والأرضين (( قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) ) [فصلت:11] ولم يرد أنهما تكلمتا بلسان وفم ونحو ذلك، وهو صوت مسموع ولا شك (( قَالَتَا ) )القول هو اللفظ، إذًا اللفظ لا بد أن يكون صوتًا مسموعًا، ولم يرد فيه أنه تُكلِّم بما ذكر.
{وَهِيَ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ} هذا في حق المخلوق نعم، لكن المعنى اللغوي أعم من ذلك.