{قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ: وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَصْحَابِنَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الأَصْلِ، كَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ فِي الْوَصْفِ} هذا توسُّعٌ.
لأَنَّهُمْ حَكَوْا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فِي وُجُوبِ الإِطْعَامِ رِوَايَتَيْنِ: الْوُجُوبَ إلْحَاقًا لِكَفَّارَةِ الْقَتْلِ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ كَمَا حَكَوْا رِوَايَتَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ وَصْفِ الإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ, وَالاشْتِرَاطَ إلْحَاقًا لِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِكَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
فَدَلَّ هَذَا مِنْ كَلامِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لا فَرْقَ فِي الْحَمْلِ بَيْنَ الأَصْلِ وَالْوَصْفِ.
يعني: استنباطًا من روايتين، فجعله أصلًا في المذهب، أنه كما يُحمل المطلق على المقيد في الوصف كذلك يحمل على الأصل، وهذا ضعيف لا يُعوَّل عليه.
وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّهُ لا فَرْقَ فِي الْحَمْلِ بَيْنَ الأَصْلِ وَالْوَصْفِ، ابْنُ خَيْرَانِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ.
وَلَكِنْ قَالَ الرُّويَانِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْبَحْرِ: الْمُرَادُ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إنَّمَا هُوَ الْمُطْلَقُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَصْفِ دُونَ الأَصْلِ وهو كذلك يعني: الأصل لا يُحمل.
قال في التحبير: الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب: أنه لا يجب الإطعام في كفارة القتل. لم يُذكَر في كفارة القتل الإطعام لكن حملوه على الظهار، قالوا: كما حُمل الرقبة نحمل كذلك الإطعام، لكن في التحبير قال: الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب أنه لا يجب الإطعام في كفارة القتل.
وفي هذا تنبيه على أنه لا يُحمل الأصل، بل الحمل مخصوص بالوصف.
يعني: نازع في هذا الأصل الذي قدمه الفتوحي هنا، أنه لا يُحمل (وَأَصْلٌ كَوَصْفٍ) نقول: لا. لا يُحمل الأصل إنما يُحمل الوصف فقط وما جاء به النص.
قال: (وَمَحِلُّ حَمْلِ إذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ تَأْخِيرَ بَيَانٍ عَنْ وَقْتِ حَاجَةٍ. فَإِنْ اسْتَلْزَمَهُ حُمِلَ الْمُسَمَّى فِي إثْبَاتٍ عَلَى الْكَامِلِ الصَّحِيحِ، لاَ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي قَوْلٍ) {لِبَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ} .
يعني: مثاله المثال السابق، لما أطلق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخفين في عرفة وقيَّد في المدينة، حينئذٍ نقول: تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ لأن من كان مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطعًا أن كثيرًا منهم لم يدركوا خطبة المدينة، ولم يُنقل بأنه أعاد الكلام مرة أخرى، حينئذٍ نقول: تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلا يجوز حمل المطلق على المقيد.
لأنه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا لا يجوز.
ولذلك قال: (وَمَحِلُّ حَمْلِ) يعني: المطلق على المقيد.
(إذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ) ذلك الحمل (تَأْخِيرَ بَيَانٍ عَنْ وَقْتِ حَاجَةٍ) .
أما {إِنْ اسْتَلْزَمَهُ} حينئذٍ {حُمِلَ الْمُسَمَّى فِي إثْبَاتٍ عَلَى الْكَامِلِ الصَّحِيحِ} يعني: المطلق حُمل على جميع أفراده.