(وَهُوَ تَخْصِيصُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ) يعني: لا يختص بالألفاظ، بحيث إذا أطلق الشيء الأول فهم منه الشيء الثاني، كما مر في المثال السابق كتسمية الولد زيدًا.
قال: (كَالْمَقَادِيرِ) .
{أَيْ كَجَعْلِ الْمَقَادِيرِ دَالَّةً عَلَى مُقَدَّرَاتِهَا مِنْ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ وَمَزْرُوعٍ وَغَيْرِهَا} .
هذه كلها تدل على شيء معيّن، فالفرسخ مثلًا له مقدار، من الذي وضع؟ الواضع. الفرسخ له مقدار معين، من الذي وضع هذا المقدار؟ نقول: هذا وضعه الواضع، حينئذٍ نقول: هذا الجعل هل هو خاص أو عام؟ نقول: هذا عام، يعني لا يختص بموضع معين، لا نقول: الفرسخ من أرض كذا إلى أرض كذا، ثم فرسخ آخر يحتاج إلى وضع آخر، وإنما نقول: هذا الفرسخ يراد به مقدار معين ويستعمل في أي بقعة من الأرض ولا يختص ببقعة دون بقعة.
{وَفِي كِلاَ النَّوْعَيْنِ الْوَضْعُ: أَمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَاضِعِ} سواء كان العام أو الخاص.
إذًا: (تَخْصِيصُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ) ولا يختص بمعنى من المعاني الخاصة أو باللفظ، بل يشمل اللفظ وغيره.
ثم قال: (وَالاِسْتِعْمَالُ إطْلاَقُ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ الْمَعْنَى)
لما بيّن لك أن اللفظ منه مستعمل ومنه مهمل، أراد أن يبين لك المراد بالاستعمال.
(وَالاِسْتِعْمَالُ إِطْلاَقُ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ الْمَعْنَى) المراد به {إِرَادَةُ مُسَمَّى اللَّفْظِ بِالْحُكْمِ, وَهُوَ الْحَقِيقَةُ, أَوْ غَيْرِ مُسَمَّاهُ لِعَلاَقَةٍ بَيْنَهُمَا, وَهُوَ الْمَجَازُ} بناءً على أن الوضع السابق يشمل الحقيقة والمجاز.
إذًا: الاستعمال هذا من صفات من؟ من صفات المتكلم، الوضع من صفات الواضع، فإذا قلنا: الله عز وجل فهو تابع له .. صفة له، والاستعمال هو الذي يأخذ هذا اللفظ المستعمل المتكلم فيطلقه في كلامه مرادًا به المعنى الذي وضع له في لسان العرب.
إذًا (الاِسْتِعْمَالُ إطْلاَقُ اللَّفْظِ) يعني: التكلم باللفظ (وَإِرَادَةُ الْمَعْنَى) أي: مسماه حقيقة كان أو مجازًا.
(وَالْحَمْلُ: اعْتِقَادُ السَّامِعِ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ لَفْظِهِ) فهو من صفات السامع، يعني: يستمع الكلام فيحمل الألفاظ على معانيها في لسان العرب، حينئذٍ يكون القدر مشتركًا بين الاثنين، يعني: فهمُ اللفظ ومعناه يكون من المتكلم؛ لأنه سيطلق اللفظ ويريد به المعنى، فحينئذٍ لا بد أن يطلق اللفظ في المعنى الذي وضع له في لسان العرب.
كذلك السامع يحتاج إلى أن يعرف اللفظ فيما وضع له في لسان العرب؛ ليحمل الألفاظ على معانيها.
(وَالْحَمْلُ: اعْتِقَادُ السَّامِعِ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ لَفْظِهِ) .
{أَوْ مَا اشْتَمَلَ عَلَى مُرَادِهِ} .
قال هنا: {فَالْمُرَادُ: كَاعْتِقَادِ الْحَنْبَلِيِّ وَالْحَنَفِيِّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِلَفْظِ الْقُرْءِ: الْحَيْضَ, وَالْمَالِكِيِّ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِهِ: الطُّهْرَ، وَهَذَا مِنْ صِفَاتِ السَّامِعِ} .